الصفحة 23 من 28

على أقربائكم من موتاكم، فإن رأوا خيرًا فرحوا به، وإن رأوا شرًّا كرهوه ..." [1] ، واستحسن هذا التأويلَ صاحبُ الدِّين الخالص."

التاسع: أن المراد بتعذيب الميت بنواح أهله عليه، أن يشعر ببكائهم، فيؤلمه ذلك، لا أن الله - عز وجل - يعذبه به، ويؤاخذه عليه؛ فهو ليس تعذيب عقوبة، ولكنه تعذيب تألم، واستدل له: بأن أعمال العباد تعرض على موتاهم [2] ، كما احتجوا بحديث رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى [3] ، وفيه: أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( والذي نفس محمد بيده، إن أُحَيْدَكم ليبكي، فيستعبر إليه صُوَيْحبه، فيا عباد الله، لا تعذِّبوا إخوانكم ) ).

قال الحافظ:"وهذا اختيار الطبري، ورجحه ابن المرابط، وعياض، ومَن تبعه، ونصره ابن تيمية، وجماعة من المتأخرين"، وقال القاضي عياض:"وإلى هذا نحا الطبري وغيره، وهو أولى ما يقال فيه" [4] ، وقال صاحب المفهم [5] :"وهذا التأويل حسن جدًّا، ولعله أولى ما قيل في ذلك"، قال

(1) تهذيب الآثار (2/ 510) موقوفًا، وصححه محمود السبكي في الدين الخالص (ص: 288) .

(2) قلت - بكرٌ: وقول الصنعاني في سبل السلام:"وهو صحيح"لا يعني أبدًا - ما فهمه بعضهم - أنه صحح هذا القول، بل معناه - والله أعلم - أن ما نقله من استدلالهم، وهو قولهم:"إن أعمال العباد تعرض على موتاهم"، صحيح، وسواء وافقناه في هذا أو خالفناه - وليس هذا محله، إلا أن قوله:"وهو صحيح"، لا يعني أبدًا أنه يصحح هذا القول أبدًا، على أنه يرى أن هذا القول مع ما ذكر من الأقوال - وحاصلها خمسة:"أشفُّ ما في الباب"، أقول هذا وأنا على دراية - إن شاء الله والحمد لله - بكتاب سبل السلام، دراسة وتدريسًا، وإذا كنت ناسبًا أحد هذه الأقوال الخمسة - هذا إذا لم يرجح الصنعاني بينها - طبعًا - كما فعل هنا - فلن يكون أبدًا هذا القول، ومن خلال درايتي المتواضعة بمنهجه على الأقل في سبل السلام، فهو لن يعدو أن يكون مائلًا إلى قول الجمهور، أو القول الأول - على ما رتبه في السبل - الذي نسبه هو إلى البخاري، ولذلك قدمهما، ويمكن أن أقول كقاعدة، وعسى أن تكون نافعة: إنه ليس من شأن الصنعاني في السبل عند تعدد الأقوال وعدم ترجيحه لأحدها، أن يؤخر أقواها - على الأقل من وجهة نظره - وما يمكن مع مزيد تحرير أو غيره من الأسباب، أن يتبناه، أو أن يراه أقرب إلى الصواب، مطلقًا، وإلا: {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ، والله أعلم.

(3) (1/ 320) ، والطبراني في الكبير (25/ 10) عن قيلة بنت مخرمة، وحسَّن الحافظ إسناده في الفتح (3/ 185) ، وتبعه محمود السبكي في الدين الخالص (ص: 288) .

(4) إكمال المعلم (3/ 202) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت