الصفحة 19 من 29

-فأما الآفات التي تصيب المادح:

فالأولى: الإفراط أو المبالغة في المدح؛ فيُؤدي ذلك إلى الكذب.

الثانية: أن يكون ما يضمره المادِح من حب للممدوح لا يوازي المديح؛ فيقع في الرياء.

الثالثة: أن يمدحه بما ليس فيه؛ فيقع في النفاق.

الرابعة: أن يمدحه بالصفات المطلَقة، مثل:"هو من الصالحين - أو من الأولياء"، فيصبح من المتألِّين على الله.

-أما الممدوح، فيضره المدح من وجهين:

الأول: إذا كان ظالمًا أو جبارًا أو فاسقًا، دخل السرور إلى قلبه بهذا المديح، ممَّا قد يزيده طغيانًا وتجَبُّرًا وفِسقًا، يقول الحسن البصري رحمه الله:"مَن دعا لظالمٍ بالبقاء، فقد أحَبَّ أن يُعصى الله".

الثاني: إن كان من الطائعين؛ فإمَّا أن يُحْدِثَ المدح فيه كِبرًا وإعجابًا، وهما مهلِكان؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع رجلًا يمدح رجلًا: (( ويحك قطعتَ عُنُقَ صاحبك ) (رواه البخاري ومسلم) .

أو أمرٌ آخر ربَّما يحدث، وهو: أنه إذا أُثني عليه فرحَ وفتر، ويصاب بالغرور والعُجْب ويرضى عن نفسه، فيتكاسل عن العمل، ويغفل عن تقصيره"؛ بتصرف واختصار (الإحياء: 3/ 213) ."

-يقول البغوي رحمه الله كما في"شرح السُّنَّة" (13/ 151) :"وفي الجملة: المدح والثناء على الرجل مكروه؛ لأنَّه قلَّما يسلَم المادح من كذب يقوله في مدحه، وقلَّما يسلم الممدوح من عُجْب يدخله". اهـ

من أجل ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يَرويه الإمامُ مسلم من حديث المقداد رضي الله عنه: (( احثُوا الترابَ في وجوه المدَّاحين ) ).

وعند الإمام مسلم أيضًا من حديث همام بن الحارث: أن رجلًا جعل يمدح عثمان رضي الله عنه، فعمد المقدادُ رضي الله عنه فجثا على ركبتيه - وكان رجلًا ضخمًا - فجعل يَحثو في وجهه الحصْبَاء، فقال له عثمان رضي الله عنه: ما شأنك؟ فقال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا رأيتم المدَّاحين، فاحثوا في وجوههم الترابَ ) )، وفي رواية:"أمرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن نحثوَ في وجوه المدَّاحين التراب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت