لأن لينين كان يعتقد أنه لا يوجد بديل، وبالنسبة للبنين، كانت فكرة بوخارين بالهجوم الثوري ضد الألمان تسلم بأن القدرة القتالية الروسية غير موجودة. فاي جنوبي روس کان بوخارين يتصور أنه سوف يأخذهم لقتال الألمان؟ فالجيش الروسي کان آخذا في التلاشي، وإذا ما قام بشن هجوم ضد الجيش الألماني المنتصر تماما فسوف يؤدي به ذلك إلى التدمير الكامل. وعلاوة على ذلك، فبينما وضع كل من تروتسكي وبوخارين التأثير السياسي للعمال الألمان في حساباتهم، لم يتسرع لينين في تعليق آمال النظام عليهم؛ حيث رأى أدلة قليلة على أن الطبقة العمالية الأوروبية على وشك النهوض دعما للثورة الروسية. وكان تأسيس بقاء الثورة البلشفية على توقعات عسكرية وسياسية غير واقعية، هو أمر من قبيل السذاجة. وأما الدفع، كما فعل بوخارين، بأنه يتوجب على الثورة الروسية أن تكافح من أجل تحرير بولندا وليتوانيا والكورلاند Courtiund هو أمر ضد الثورية:"فلا يوجد واحد من أتباع مارکس يمكن أن ينكر أن فوائد الاشتراكية أعلى من فوائد الحق الوطني في تقرير المصير" (22) . بيد أن لينين رأى التوقيع على معاهدة برست لينوفسك باعتبارها"مبادلة أرض من أجل غرفة إنعاش"، ومن أجل الوقت لتعزيز مكاسب الثورة. وبمجرد تأمين ثمار الثورة في روسيا، يمكن للبولشفيك أن يشغلوا أنفسهم بالطبقة العاملة الأوروبية. وحتى يحين هذا الوقت، فإن الواجب على البولشفيك حماية مکاسب الاشتراكية.
ولننتقل إلى تحليل هذه المواقف الثلاثة باستخدام نظرية السلعتين، يمكن التفريق بين المواقف الثلاثة على أساس بعدين مرتبطين. القضية الأولى هي التي فصلت بين الأجنحة التي تعاملت مع التفضيل النسبي الذي يهدف إلى بقاء النظام الجديد أو إلى تعزيز الثورة العمالية في أوروبا، وخصوصا في ألمانيا. ففي مصطلحات نظريتنا، تمس هذه المسألة قيمة الوضع القائم. وللتوضيح بشكل مختلف، يمكن صياغة السؤال في ضوء خيار الحفاظ على الوضع القائم: أي ما مدى قوة خيار الحفاظ على النظام؟ والسؤال الثاني له علاقة بالمسار المتوقع للعمليات العسكرية على الجبهة إذا لم تقبل معاهدة السلام. ويتعلق هذا السؤال بتقدير القوة الروسية، وبخاصة قدرتها العسكرية: فإذا احتاج الأمر إلى السعي للحفاظ على الثورة في ميدان المعركة، فماذا ستكون النتائج المحتملة؟. في نظريتنا تشكل قوة الدولة محددا هاما التفضيل الدولة أي من التغيير أو الحفاظ على الوضع القائم: أي كلما كانت الدولة أقوى، وهلم جرا، كلما كان احتمال سعيها للتغيير أكبر. وبوضع القضيتين معا، نستطيع أن تحدد التفضيلات النسبية للفاعلين لكلا الهدفين / السلعتين، ويمكننا توضيح فائدة منهجنا هذا.
ويمكن تلخيص الفروق بين المواقف الثلاثة بالرجوع إلى الشكل رقم (4.1 أ) و (4.1 ب)