فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 377

الأرثوذكس الشرقيين تشبه، على نحو كبير، مشاعر بعض المسلمين حيال الغرب، وهو ما يشير إلى رؤى وشكوك ومعاناة مشتركة إزاء نوايا الغرب وتدخلاته وهيمنته. ولقد أشرنا آنفا إلى ما تتقاسمه بعض المذاهب المسيحية مع الإسلام: كيف تتشابه العديد من تلك المذاهب، والتي اعتبرتها السلطات الكنسية لاحقا هرطقات تجديفية، فيما يخص طبيعة المسيح مع المنظور الإسلامي لتلك الطبيعة. إن المعاناة المشتركة للكنيسة الشرقية والإسلام من النفوذ الغربي وسطوته تشير إلى أن خطوط الاحتكاك الحضارية ليس منشأها التباينات الثقافية فيما بين تلك الملل فحسب، وإنما تجد أصولها في طبيعة الغرب ذاته في مواجهاته التصادمية مع الشرق الأوسط لأماد طوال خلت، إذ غالبا ما تعمل الطبيعة السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتباينة على جعل الاختلافات الثيولوجية الطفيفة تستحيل ثورات وهرطقات جسام، ويصدق ما سبق على الانقسام السني/الشيعي داخل حدود الدين الإسلامى ذاته، إذ لا تعدو الخلافات الأولية بشأن الأحقية في خلافة النبي محمد أن يكون لها أي ملمح ديني أو عقائدي، ولكنها تمت بمرور الوقت لتصبح عدا عات طائفية عميقة الغور).

وهنا يلح سؤال دائري محير: هل الاختلافات الثيولوجية هي ما يشعل فتيل الصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويؤجج نيرانها، أم بالمقابل، يكون للتباينات السياسية والاجتماعية والاقتصادية القائمة والملموسة مردود على الأمور الدينية والمناحي الأيديولوجية؟ إنه بمجرد انبثاق صدع ثيولوجي طفيف فسرعان ما ترسخ أثاره في الشئون المجتمعية الخاصة بالكينونة والهوية، بل وفي الوجود المجتمعي ذاته. وبعبارة أخرى، قد يختلف الناس، على نحو منطقي مقبول، بشأن مسائل ثيولوجية بسيطة ترتبط بطبيعة المسيح، ولكن ما الذي يدفعهم نحو التناحر والتقاتل بشأنها؟ من الجلى أن هناك عوامل أخرى هامة لها دور في هذا الصدد.

إننا بحاجة إلى أن نعود إلى الوراء ... إلى زمن الإسكندر الأكبر لنشهد المشهد الافتتاحي لتاريخ يربو على الألفي عام من الصراع الجيوبوليتيکي بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت