الصفحة 44 من 408

وجهت إليهم الدعوة من أجل وضع حد لحمام الدم الذي امتد طيلة جيل من الزمن. في مثل هذا الظرف، ليس العجب من ثغرات الحل النهائي الذي تم التوصل إليه، بل في الواقعية العظيمة التي اتصف بها. وما كان يسميه المؤرخون المأخوذون موقف النقمة الفاضلة التي سادت في القرن التاسع عشر، رجعية، نسميه نحن توازنة.

قد تكون ثمرات مثل هذه السياسة لا تشبع كل أماني جيل مثالي، إلا أنها تؤمن له، على الأقل، ما قد يكون أثمن من الأماني: حقبة استقرار تتيح له تجسيد آماله، دون اللجوء إلى الصراع الحاد ولا إلى الثورة الدائمة

وننتهي عند سنة 1822، وهو التاريخ الذي ارتدي فيه النظام الجديد الذي انبثق عن الحروب الثورية، الشكل الذي دام طيلة عشرين سنة، وأفضل دليل يمكن أن يقدم على صفة و الشرعية في هذا النظام هو بالذات الإستقرار الذي رافقه. فقد انضمت إليه كل الدول الكبرى، حتى اذا نشب خلاف، بعد هذا التاريخ، بذلت المساعي لحله في إطار البنيات القائمة، بدلا من اللجوء إلى الإنقلابات.

ويعود الفضل في استطاعة أوروبا الخروج من الفوضى، والعودة إلى التوازن، الرجلين عظيمين كاتلري Castlereagh ، وزير الشؤون الخارجية الإنكليزي، صانع المفاوضات ومترنيخ، زميله النمساوي، الذي طبع هذه المفاوضات بطابع الشرعية. وهذا لا يعني أبدأ أن النظام الدولي هو ثمرة استبصار فردي. إن أي رجل دولة يجب أن يحاول التوفيق بين ما يراه عادلا وبين ما يظنه ممكن التحقيق.

والتقييم المبني على العدالة هورهن بالبنيات الإجتماعية في البلد. اما ما هو ممكن التحقيق فمرهون بموارد هذا البلد، وموقعه الجغرافي، وبالعزيمة التي يتحلى بها المواطنون، وأيضا بموارد الدول الأخرى ومشيئتها وبظروفها الاجتماعية. وبحكم اطمئنان كاتلري إلى أن جزيرية بلده تضمن لإنكلترا الأمن، فقد مال إلى معارضة الاعتداءات المكشوفة فقط. اما مترنيخ فكان يمثل دولة واقعة في قلب أوروبا. ولذا حاول قبل كل شيء أن يقتل في المهد كل محاولة انقلاب. والدولة الجزيرية بحكم اقتناعها بمتانة مؤسساتها كرست مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ورفعته إلى مرتبة المباديء. أما النمسا- هنغاريا المتعددة اللغات فكانت تطالب بحق التدخل في كل مكان يظهر فيه اضطراب اجتماعي يحتاج الى قمع وذلك تحت وطاة هزال بنياتها الداخلية في عصر القوميات. وبريطانيا لا تشعر بالخطر يتهددها الا اذا خضعت أوروبا الدولة واحدة، ولذا كان هم کاتلري الأول هو بناء نظام تتوازن فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت