وليس فرقا أساسيا. ولما انحصرت دائرة الموقف ودائرة دراستنا زادت حيرة العقل وأصبحت درجة الفرق لا تقاس. وقد تحول دون حساب مقدار المقاومة التي تبديها الجنود في أي موقف. ولكنها لا تؤثر على الحكم بأنهم يبدون مقاومة في حالة مفاجأتهم أقل من المقاومة التي يبدونها وهم متيقظون - ويقاومون وهم متعبون وجياع أقل ممايقاومون وهم مستريحون ولاينقصهم الغذاء الجيد. فكلما اتسعت دائرة دراسة علم النفس حسن أساس الاستنتاج.
وتفوق النفسية على الطبيعة المتمانية وكون الأولى أكثر ثباتا من الثانية يؤديان إلى استنتاج أن أساس أية نظرية عن الحرب ليستلزم أن يكون متسعا ما أمكن، فدراسة حملة
حربية واحدة دراسة عميقة، ما لم تكن مؤسسة على علم واسع يكل تاريخ الحرب، قد تؤدي بنا إلى مواطن الزلل، كما أنها قد تؤدي الى ذروة المغائم الحربية. ولكن اذا شوهد ان نتيجة بعينها تتبع سببا بعينه في عشرينات من الحالات في ازمنة مختلفة في ظروف شتي، اذن لكان هناك مبرر يبرر اعتبار أن ذلك السبب هو جزء متم لأية نظرية في الحرب.
فهذا الكتاب، کالموضوع الذي يبحث فيه، عبارة عن محصول ذلك التنقيب " الواسع" ويصح تسميته النتيجة المركبة لأسباب معينة - وهذه الأسباب لها صلة بعمل كمحرر حربي في دائرة المعارف البريطانية". فمع أني قد بحثت وتقيت فيما مضى في مختاف عصور التاريخ، وكثيرا ما كان ذلك رغم ميولي. ثم أن المساح الذي يمسح الأراضي و يشرف عليها، بل والمال الذي يجوب البلاد يكون بطبيعة الحال ملما بصورتها المنظورة أكثر من غيره وفي استطاعته أن يعرف أوضاعها العامة على أقل تقدير في حين أن مهندس المناجم لا يعرف الا الطبقة الأرضية التي يبحث عنها."
ففي أثناء هذا الاطلاع العام تكونت فكرة أخذت تزداد ثبوتا على مدى البحث - تلك هي أنه في كل العصور لم يتوصل إلى النتائج الحاسمة في الحروب الا متى كان الاقتراب الاستراتيجي اقترابا غير مباشر. وبعبارة أخرى أنه فيما يختص بالاستراتيجية كلما كان الطريق طويلا ملتويا كان الوصول إلى الغرض أقرب.
وقد أثبت الواقع المرة بعد المرة أن الاقتراب المباشر سواء اكان من غرض عقلي يقصده الانسان بتفكيره، أم من غرض مادي بان يحصل الاقتراب على طول خط الانتظار الطبيعي '' من وجهة نظر الخصم (أي الخط الذي يتوقع الخصم أن يتبعه المقترب) . كان من شأنه أن يؤدي، بل وقد أدى فعلا، إلى نتائج سلبية. والسبب في ذلك قد عبر عنه نابليون بصورة واضحة في قوله المأثور " أن نسبة القوة المعنوية الى القوة المادية كنسبة ثلاثة إلى واحد ". وقد يعبر عنه بطريقة علمية بان يقال بينما أن قوة أي بلاد معادية تغمر مظاهرها