فِي هَذَا الِابْتِدَاعِ الْقَوْلُ فِي الدِّينِ بِالرَّأْيِ. وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ، فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَبْتَدِعُ أَوْ يَتْبَعُ مُبْتَدِعًا فِي أُصُولِ الدِّينِ أَوْ فُرُوعِهِ إِلَّا وَهُوَ يَسْتَدِلُّ عَلَى بِدْعَتِهِ بِالرَّأْيِ، وَقَدْ ظَهَرَتْ مَبَادِئُ هَذِهِ الْبِدَعِ وَالْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ فِي الْقُرُونِ الْأُولَى، قُرُونِ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا كُلُّهُ بِمَانِعٍ لَهَا إِذْ كَانَ مِنَ الْأَفْرَادِ، لَا مِنْ مَصْدَرِ الْقُوَّةِ وَالنِّظَامِ - الَّذِي هُوَ مَقَامُ الْخِلَافَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ - فَكَيْفَ يَكُونُ الْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ زَالَ الْعِلْمُ أَوْ كَادَ؛ إِذْ لَا عِلْمَ إِلَّا عِلْمُ الِاسْتِقْلَالِ وَالِاجْتِهَادِ، وَقَدْ صَارَ مَحْصُورًا فِي أَفْرَادٍ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهُمُ الْعَوَامُّ وَلَا يَتْبَعُهُمُ الْحُكَّامُ، ثُمَّ فَشَا النِّفَاقُ وَالدِّهَانُ. وَصَارَ طَلَبُ الْعِلْمِ الدِّينِيِّ حِرْفَةً لِلْكَسَالَى وَالرُّذَّالِ.
رَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى يُتْرَكُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ:"إِذَا ظَهَرَ فِيكُمْ مَا ظَهَرَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ - إِذَا ظَهَرَ الْإِدْهَانُ فِي خِيَارِكُمْ، وَالْفُحْشُ فِي شِرَارِكُمْ، وَالْمُلْكُ فِي صِغَارِكُمْ، وَالْفِقَةُ فِي رُذَّالِكُمْ"أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ وَأَقَرَّهُ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي مُصَنَّفِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ: فَسَادُ الدِّينِ إِذَا جَاءَ الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ الصَّغِيرِ، اسْتَعْصَى عَلَيْهِ الْكَبِيرُ، وَصَلَاحُ النَّاسِ إِذَا جَاءَ الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ الْكَبِيرِ، تَابَعَهُ عَلَيْهِ الصَّغِيرُ (قَالَ) وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّغَرِ فِي هَذَا صِغَرُ الْقَدْرِ لَا السِّنِّ اهـ.
وَصَغِيرُ الْقَدْرِ هُوَ الْمَهِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِنَ الْعَقْلِ وَالْفَضِيلَةِ وَعِزَّةِ النَّفْسِ مَا يُحْتَرَمُ بِهِ وَيُتَّخَذُ قُدْوَةً، كَمَا هُوَ شَأْنُ أَكْثَرِ الْمُسْتَرْزِقَةَ بِطَلَبِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْكَبِيرَ هُوَ الْكَبِيرُ بِعَقْلِهِ وَفَضْلِهِ، لَا بِنَسَبِهِ وَمَالِهِ.