فِيمَا يَأْكُلُهُ بِحُكْمِهِ، وَلَا يُعْذَرُ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ غَيْرُ مُحِقٍّ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي عَلَى الظَّاهِرِ فَقَطْ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: قَدْ نَفَتِ الْآيَةُ الِاشْتِبَاهَ وَبَيَّنَتْ أَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِالْحُكَّامِ عَلَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ مُحَرَّمٌ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يُغَيِّرُ الْحَقَّ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُحِلُّهُ لِلْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ، وَمَعَ هَذَا قَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي حُكْمِ الْقَاضِي، هَلْ هُوَ عَلَى الظَّاهِرِ فَقَطْ أَمْ يُنَفَّذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَيَكُونُ الْإِثْمُ عَلَى الْقَاضِي وَحْدَهُ إِنْ تَعَمَّدَ الْجَوْرَ دُونَ الْمَحْكُومِ لَهُ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي يُنَفَّذُ ظَاهِرًا فَقَطْ، وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي بِنَحْوِ الطَّلَاقِ وَعَقْدِ النِّكَاحِ أَوْ فَسْخِهِ يُنَفَّذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ زُورًا، وَأَنَّ حُكْمَهُ بِالْمَالِ لَا يُنَفَّذُ إِلَّا ظَاهِرًا فَلَا يَحِلُّ لِلْمَحْكُومِ لَهُ تَنَاوُلُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ.
وَأَزِيدُ الْمَسْأَلَةَ وُضُوحًا بِالتَّمْثِيلِ فَأَقُولُ: يَعْنِي أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا حَكَمَ بِفَسْخِ النِّكَاحِ أَوِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِشَهَادَةِ زُورٍ حَرُمَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَعِيشَا مَعًا عِيشَةَ الْأَزْوَاجِ، وَإِذَا شَهِدَ شُهُودُ الزُّورِ بِأَنَّ فُلَانًا عَقَدَ عَلَى فُلَانَةٍ وَحَكَمَ الْقَاضِي بِصِحَّةِ الْعَقْدِ حَلَّ لِلرَّجُلِ الْمَحْكُومِ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا بِغَيْرِ عَقْدٍ اكْتِفَاءً بِحُكْمِ الْقَاضِي الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الشَّافِعِيَّ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحَلِّلُ الْحَرَامَ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ عَلَيْهِ الْجُمْهُورَ وَمِنْهُمْ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ فَلَمْ يُخَالِفَاهُ إِلَّا لِأَنَّهُ ظَهَرَ لَهُمَا قُوَّةُ دَلِيلِ الْجُمْهُورِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ: مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالشَّيْخَيْنِ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضُكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ ) )وَرُوِيَ بِلَفْظٍ آخَرَ بِمَعْنَاهُ. وَالْمُنْتَصِرُونَ لِأَبِي حَنِيفَةَ يَقْصُرُونَ الْأَمْرَ عَلَى الْأَمْوَالِ ; لِأَنَّهَا الْمَوْضُوعُ الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ الْآيَةُ وَالْحَدِيثُ كَمَا تَرَاهُ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَلِبَعْضِهِمْ فِيهِمَا مِنَ التَّحْرِيفِ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْكَى، وَرَدَّ الْجُمْهُورُ ذَلِكَ بِالْقَاعِدَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَهِيَ أَنَّ الْأَبْضَاعَ أَوْلَى بِالِاحْتِيَاطِ مِنَ الْأَمْوَالِ