وهُدًى في أخبارٍ وسِيرٍ تأسِرُ القلوبَ، وتأخذُ بالألباب، ولولا التأريخُ لقيل: ضربٌ من الأحلام.
ولقد كانوا بشرًا من البشر، لكنَّ قلوبَهم صاغَها الوحيُ، فتعلَّقَت بالسماء، اصطفاهم الله وامتحَنَهم، فصدَقوا ونجَحوا.
وهكذا ربَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابةَ، حتى صاروا قادةَ الأمة في العلم والجهاد والقيادة.
أيها المسلمون:
إن الأمةَ اليوم بحاجةٍ إلى من يشُدُّ على قلوبِ أبنائِها، ليُصبِحوا رجالًا، فقد أصبحَ الكثيرُون يعدُّون أنفسَهم من أهل الجنة بمجرَّد عملٍ يسيرٍ أو طاعةٍ محدودةٍ، دون تضحيةٍ وفداءٍ. وكأنَّ الله لن يتَّخِذَ منا شهداء، حتى لقد أصبحَ الإسلام عند البعض مُجرَّد سُلُوكٍ اجتماعيٍّ ربما يُشارِكُهم فيه غيرُهم، ويتفوَّقُ عليهم آخرون.
ألم يعلَموا أنه تكاليف شاقَّة، وعملٌ وامتحانٌ؟! {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) } [1] .
إذا كان المرءُ ينامُ حتى يملَّ الفراشُ جنبَه، ويبسُطُ ألوانَ الطعام كلما اشتهَى، ويصرِفُ الأوقات الطويلة للتسوُّق والمُسامَرة، ولا يرعوِي عن صرفِ جُلِّ يومِه وغالبِ ساعاته في تصفُّح الأجهزة الإلكترونية، أو مُتابعة المُلهِيات، ويركُضُ وراءَ الدنيا ركضَ الوحوش في البَرِّيَّة، فمتى يُنتِجُ؟ أو يصلُح لردِّ عدوانٍ أو نهوضٍ بأمَّةٍ؟
إن معالِيَ الأمور والطُموحات الكُبرى لا تأتي إلا بالكدِّ والتعَب.
والناظرُ في حال الأُمم يجِدُ أنه ما من أمةٍ ترقَّت في مراتبِ المجدِ وسطَّرَت اسمَها على صفحات التاريخ إلا كان وراءَ ذلك عملٌ كبيرٌ وتضحِياتٌ جِسامٌ، وبذلٌ للجُهد في كل الميادين.
(1) سورة البقرة