أما بعد .. أيها المسلمون .. لم يسجل التاريخ قضيةً تجمعت فيها الأحقاد العالمية وبرزت فيها المتناقضات الدولية وتجلى فيها التلاعب والعبث كما سجل في قضية فلسطين وقدسها المقدسة، وجاءت قضايا المسلمين بعدها على شاكلتها .. ولم يسجل التاريخ خطيئةً أسوأ من الانخداع بخطة الأعداء في دحرجة قضية القدس وفلسطين من دائرتها الإسلامية الواسعة المتينة إلى متاهاتٍ وحفرٍ من الوطنية والقومية والمذهبية والحزبية والإقليمية والشرق أوسطية في نعرات جاهلية وشعارات مستوردة ومبادئ دخيلة.
إن فصل القضية وبترها عن قوتها المؤثرة وطاقتها الدافعة هو الذي أضاعها .. فتاهت في غبار النكسات والمساومات.
لابد من رد القضية إلى خطها الأصيل لتصبح قضيةً سامقةً تتأبى على الوأد والاحتواء، لابد أن تعود إلى امتدادها الإسلامي بكل أفاقه وأعماقه، ولقد كانت أحداث غزة إيقاظًا لهذا الشعور لدى كافة المسلمين .. إنه صراع عقائد ومعركة مع أشد الناس عداوةً للذين آمنوا، إنه نزاع هوية ومصير، وإن حقوق الأمة لن تُنال بالخور
ومن مكر الأعداء تخاذلهم بعد عدوانهم خشية غضبةٍ حقيقيةٍ لا يردعها شيء، وهم يعلمون أن المسلمين على ضعفهم وتشتتهم لا يزال جمرهم يتلظى تحت الرماد، وفيهم رجال يتأبون على الهزائم والخنوع .. لقد أثبت الإباء والصمود أن القوة والاستعلاء حتى مع الدماء والأشلاء هو السد الرادع للمعتدين، وإذا ارتفعت راية الدين تصاغرت أمامها كل راية، والأيام حبلى والتاريخ له ألف عودة، والصبر من أبواب الظفر، وإزالة أسباب الخذلان طريق لإزالة العدوان، وأمام الأمة طريقٌ طويلٌ مبناه على الإيمان وقوامه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا (103) } [1] .
وأخيرًا .. فإنه لا يمكن لمتابعٍ لحال العالم في مجال السياسة والاجتماع أن يغفل تحولات كبرى طرأت على العالم لها ما بعدها .. منها إدراك كثير من الغربيين حقيقة مواقف حكوماتهم
(1) سورة آل عمران