فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 309

والأعمال المتعدية. وتضمنت هذه الآيات المنيرات أسبابَ الفوز باجتماعها في أعمال صالحة عظيمة وهي: المحافظة على الصلاة الخاشعة، والإعراض عما لا ينفع من القول والعمل، وحفظ الفروج عن الحرام، وأداء الأمانات، والوفاء بالعهود. ثم ختمت الآيات بذكر الجزاء الحسن لأهل هذه الأعمال الحسنة، وجزاء الإحسان الإحسان: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} [المؤمنون:10] {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون:11] .

والمتأمل في هذه الآيات الكريمات يرى علاماتِ الاهتمام بالفحوى جليّةً في ألفاظها وجملها؛ مثل الإتيان بالجملة الاسمية التي تفيد ثباتهم على تلك الأعمال، وتقديمِ ما حقه التأخير الذي يفيد شدة اعتنائهم بها، والإتيانِ بضمير الفصل الذي يفيد ذلك مع التأكيد.

أيها المسلمون، لقد افتتح الله تعالى هذه الصفات بحرف (قد) الداخلِ على الفعل الماضي، وفائدة هذا الحرف التحقيق والتأكيد بأن الفلاح قد حصل وتمّ لمن تمسك من المؤمنين بهذه الأعمال الصالحة؛ ابتغاء وجه الله تعالى ومات على ذلك.

ومن حُسن الافتتاح لهذه الصفات والترغيب في التحلي بها: أنه ذكر الفلاح بها أولًا قبل أن يذكرها؛ لكي يرغبك أيها الإنسان في التمسك بها حتى تنال ذلك الجزاء المقدَّم ألا وهو الفلاح.

إن هذه الصفات التي توصل إلى الفلاح والجنة لا يصح أن تكون إلا لمن اتصف بالإيمان الذي هو التصديق الجازم الذي لا يخالطه شك بكل ما يجب اعتقاده من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ثم تجيء الأعمال الصالحة بعد ذلك؛ ليكتمل سببا الفلاح؛ إذ لابد من إيمان وعمل صالح، صفاء في الباطن، وصفاء في الظاهر. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} [الكهف:107] .

أيها الأحبة الكرام، أولى هذه الصفات لأهل الإيمان الذين نالوا بها الفلاح والفوز بالفردوس: الصلاة الخاشعة، قال تعالى: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:2] ، الصلاة تلك العبادة العظيمة التي هي صلة بين العبد وربه لبُّها الخشوع وهو الخوف الموجب لتعظيم الله تعالى. والخشوع بهذا المعنى مطلوب داخل الصلاة وخارجها، لكنه في الصلاة يكون أولى من غيرها؛ لأنها وقوف بين يدي الله تعالى. إن الخشوع عبادة قلبية تظهر آثارها على أعمال الجوارح، ففي الصلاة يحرص المؤمن الخاشع على إقامة الصلاة بشروطها وأركانها وواجباتها ومستحباتها. ويحرص على أن يكون حاضرَ القلب والذهن بين يدي ربه، واعيًا متدبرًا ما يقرأ أو يسمع، ويكون بذلك مستفيدًا من الصلاة بعد ذلك. قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت:45] .

ومما يعين المصليَ على الخشوع في الصلاة: أن يستحضر أنه بين يدي ملك الملوك، وأن يستشعر أنها قد تكون آخر صلاة يصليها فليتقنها، وأن يبعد عن نفسه كل ما يشغله عنها من الشواغل الحسية والشواغل المعنوية؛ ولهذا جاء نهي الشرع المصليَ عن الإتيان إلى الصلاة مسرعًا أو تاركًا لطعام يشتهيه، أو حاقنًا أو حاقبًا-يعني: حابسًا للبول أو الغائط-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت