عباد الله، وعلى المعتدة من وفاة أن تلزم بيت الزوجية فتعتد فيه، ولا تنتقل عنه إلى غيره لتعتد فيه، إلا إذا خافت على نفسها، أو ليس عندها إيجاره-إذا كان البيت بالإيجار-، أو وجد في بيت الزوجية مالم يتسر معه البقاء، ولا تخرج عن بيت العدة ليلًا إلا لضرورة، ولا نهارًا إلا لحاجة، كأن تكون مريضة أو طالبة أو موظفة، أو تشتري لها طعامًا أو شرابًا أو دواء وليس لها من يقوم بذلك.
وعليها أن تحد على زوجها في بيت العدة بتجنب الزينة والطيب في بدنها وثيابها، وأن تترك الحلي بجميع أنواعه، والأصباغ المزينة للوجه والبدن، ولها أن تلبس ما شاءت من الثياب غير ثياب الزينة من أي لون كانت، ولا تتقيد بلون معين كالأسود.
وممن تعتد بالأشهر أيضًا: المرأة إذا انقطع حيضها وهي من ذوات الحيض، ولم تصل إلى سن اليأس، فإذا طلقها زوجها فإنها تعتد سنة كاملة اثني عشر شهرًا، تسعة أشهر احتياطًا من وجود حمل، وثلاثة أشهر عدة الآيسة، وهذا قضاء عمر رضي الله عنه بين المهاجرين والأنصار من غير إنكار منهم على ذلك، وهذا في حال عدم علمها بسبب انقطاع حيضها، أما إذا علمت سبب انقطاع حيضها وكان يمكن زوال ذلك المانع كمرض أو رضاع أو استعمال دواء فإنها تنظر: فإن عاد الدم اعتدت بالأقراء، وإن لم يعد الدم اعتدت سنة كاملة، وهناك من العلماء من ألحقها بالآيسة والصغيرة فتعتد ثلاثة أشهر فقط، خاصة مع وجود الأجهزة الحديثة التي تبين وجود الحمل من عدمه.
وممن تعتد بالأشهر: المستحاضة، وهي المرأة التي يسيل دمها في غير أوقاته المعتادة بسبب مرض أو غيره، فإذا طلقت المستحاضة وكانت تستطيع أن تميز بين دم الحيض ودم الاستحاضة فإنها تعتد بالأقراء؛ لعموم الأدلة كقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة:228] .
أما إذا لم تستطع التمييز بين الدمين، أو نسيت قدر عادتها فإنها تعتد ثلاثة أشهر؛ بناء على أن الغالب نزول الحيض مرة في كل شهر، أو لاشتمال كل شهر على طهر وحيض غالبًا، ولعظم مشقة الانتظار إلى سن اليأس، ولأنها في هذه الحالة مرتابة، فدخلت في قوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق:4] .
أيها المسلمون، وممن تعتد بالأشهر: المرأة المفقود زوجها، والمفقود: هو الغائب الذي لم يُدْر: أحي هو فيتوقع قدومه، أم ميت أودع القبر، وقد بُحث عنه بالطرق الممكنة فلم يُعرف له خبر، فزوجة من هذه حاله إذا أرادت الزواج فإنها تنتظر أربع سنين منذ فقده، ثم تعتد عدة الوفاة: أربعة أشهر وعشرة أيام؛ لما روي عن عمر رضي الله عنه:"أن رجلًا غاب عن امرأته، وفُقد، فجاءت امرأته إلى عمر، فذكرت ذلك له، فقال: تربصي أربع سنين ففعلت، ثم أتته، فقال: تربصي أربعة أشهر وعشرًا، ففعلت، ثم أتته فقال: أين وليُّ هذا الرجل؟ فجاؤوا به فقال: طلقها، ففعل، فقال عمر:"