ومن الدروس العلمية: أن الناس متفاوتون في العلم والفهم، فليسوا في مرتبة واحدة، ولو بين الأب وابنه، {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد:21] . ولا يعني هذا التفاوت انتقاص المفضول بتقدم الفاضل، فلكلٍّ فضله، وإن نقص حظه في جانب ما كمل في جانب آخر، وهنا أعطى الله تعالى سليمان عليه السلام مزيدَ فهمٍ في القضاء يفضل أباه عليه السلام، قال تعالى: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد:21] .
أيها الإخوة الفضلاء، وفي هذه السيرة العطِرة لهذا النبي الكريم دروس في السياسة، فمن تلك الدروس: أهمية وجود الحكم والدولة لحكم الناس وسياسة أمورهم، فلابد لأي تجمع بشري يريد الحفاظ على بقائه ونمائه من حاكم يسوس شؤونه، ويدبر أحواله، قال الشاعر:
لا يصلح الناسُ فوضى لا سَراةَ لهم ... ولا سَراة إذا جهّالهم سادوا
إذا تولّى سَراةُ الناسِ أمرَهمُ ... نما على ذاك أمرُ القومِ وازدادوا
تُهدى الأمورُ بأهل الرأي ما صلحتْ ... فإن تولّت فبالأشرار تنقاد.
قال ابن تيمية رحمه الله: «يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها؛ فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع؛ لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس ... » [1] .
وتقتضي طبيعة الحياة السيرَ على نظام يُبنى على سلطة حاكمة ومجموعة بشرية محكومة، تدين بالطاعة لتلك السلطة، وتتولى هذه السلطة رعاية تلك المجموعة بما يضمن لها العيش بأمان واستقرار.
فقد استقرت حياة بني إسرائيل في عهد النبيين الكريمين داود وابنه سليمان حينما أعطاهما الله النبوة والملك فحكما بينهم بشرع الله تعالى.
ومن الدروس السياسية: أن قوة الدولة يورث استقرارَ البلاد، أما إذا وهنت وصارت ضعيفة فإنه سيعيث الفسادُ فيها، وتنتشر الاضطرابات المتنوعة في ربوعها، وتؤول إلى الزوال والاضمحلال. وحكم داود عليه السلام حينما كان مبنيًا على القوة العادلة استقرت دولته وشعب بني إسرائيل الذي حكمه. قال تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} [ص:20] .
ومن الدروس السياسية: أن العدل وصلاح الحكام من أسباب بقاء الدول وراحة الشعوب التي ترعاها، وقد مضت سنة الحياة على هذا، فكم بقيت دول قرونًا متعددة بسبب إقامة العدل وصلاح حكامها، وكم فنيت دول كانت أشد قوة وبأسًا بسبب الظلم وفساد ولاتها. وداود عليه السلام عندما كان حاكمًا عدلًا ونبيًا صالحًا استقرت مملكته ونعُم شعبه في ظل حكمه. فقد أمره الله تعالى فقال له: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص:26] .
ومن الدروس السياسية: أن كثرة علم الحاكم بالدين، وكثرة علمه بأمور الدنيا خاصة المتعلقة بالحكم من أسباب النجاح في الحكم، وهكذا كان داود عليه السلام.
ومن الدروس السياسية كذلك: أهمية وجود المستشارين الصالحين، والبطانة الصالحة للحاكم المسلم، فإنها سمعُه وبصره بين رعيته، يسددونه، ويعينونه، ويصلحون ما أخطأ، ويشيرون عليه بالصواب من القول والفعل. قال رسول الله صلى
(1) انظر: السياسة الشرعية، لابن تيمية (129) .