فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 309

{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ} [الزمر:53 - 54] ؛ فلهذا دعاهم في هذا الحديث إلى الرجاء والدعاء والاستغفار والتوحيد؛ لكي يسدل على معاصيهم ثوب المغفرة والستر.

وفي الحديث كذلك: بيان صفة الوحدانية لله الواحد الأحد، فالله سبحانه المعبود الحق الواحد لا شريك له، فمن لقي الله تعالى موحدًا غير مشرك بالله في الأقوال أو الأفعال نال مغفرة لذنوبه، ونجا من النار، ودخل الجنة.

أيها الأحبة الكرام، إن هذا النص الكريم يتحدث عن قضية مهمة، ألا وهي قضية الذنوب، وسبل التخلص منها.

إن الذنوب نار تحرق صاحبها عاجلًا أو آجلًا، وداء يمرض الروح أو يميتها، الذنوب أخرجت آدم وحواء من الجنة فهبطا إلى الأرض بعد حياة الرغد، والذنوب طردت إبليسَ إلى لعنة الله، والذنوب هي التي تجلب الشقاء والتعاسة، والكدر والحزن، وتسلب عن العبد معيةَ ربه وتوفيقه وحمايته، والذنوب تورث العزيز ذلًا، والعمر محقًا وخسرًا، والذنوب ما حلّت قلبًا إلا ضيقت سروره، وسوّدت بياض أيامه، وقطعته عن أسباب راحته ونعيمه، والذنوب هي التي تجلب لأهلها الكوارث والجوائح، والمصائب والمعاطب، والنقم والبلايا.

كم من نفس كانت بالطاعة عالية، فأصبحت بالمعصية دانية، وكانت بالصلاح في فسحة ونعيم، فأضحت بالخطيئة في ضيق وجحيم، وكانت ببُعدها عن الخطايا قريبة من رب البرايا، فلما عصت ابتعدت عن الرحمن، واقتربت من الشيطان، فسبحان الله! كيف يرضى العاقل لنفسه ذلَّ المعصية، ولا يرضى لها عزَّ الطاعة، وكيف يستضيف بالخطيئة الضيقَ والعناء، ويطرد بهجر الطاعة السرورَ والهناء، وكيف يسعى جاهدًا لسلوك أسباب العذاب في العاجل والآجل بالمعصية، ولا يسلك طرق السلامة في الدنيا والآخرة بالطاعة!.

فيا من غرق في لجج الخطايا اعلم أن هناك يدًا تمتد إليك لتنقذك فلا تردها، ويامن أحرقته نيران المعاصي، إن هناك وسائل إطفاء تُعرض عليك فاقبلها، ويامن ضلّ في دياجي الذنوب، إن هناك نورًا يناديك ليخرجك من الظلمات إلى النور ويهديك إلى صراط مستقيم فأحسن استقباله، ويامن تدنَّس بعصيان خالقه، إن هناك مغتسَلًا طهورًا ينتظرك ليطهرك فأسرع إليه، ويامن ما زال في سجن مخالفة ربه، إن هناك سبلًا كثيرة لإطلاق سراحك فاقبل زيارتها لك، ويامن تعاني آلام الخطيئة، إن هناك دواء مجانيًا يقدم لك فخذه قبل أن يهلكك المرض.

فتعال- يا عبد الله- إلى كرم الله ولطفه، ورحمته وحلمه، وهو يناديك لتقبل عليه تائبًا ليقبل عليك غفورًا رحيمًا، فيقول لك:"يا ابن آدم"، إنه نداء كريم يصل الحاضر بالماضي، ويربط الابن بأبيه، ويذكّر الفرعَ بالأصل، ولقد أضاف الولد إلى الوالد لعل إنسان اليوم يتذكر إنسان الأمس، ويقيس حاله على حاله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت