المدينة لو اطلّعوا عليهم فإنهم إما أن يقتلوهم، وإما أن يردوهم إلى الكفر بالله تعالى. وهم لا يدرون أن أهل جيلهم قد ماتوا وجاء جيل آخر عقبهم. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف:19 - 20] .
عباد الله، إن هاتين الآيتين تشيران إلى أن على الإنسان أن لا يشغل بالَه بالأشياء التي لا تُعلم أو التي لا فائدة من معرفتها، بل عليه أن يشغل نفسه بما ينفعه من أمر دينه ودنياه. وأن على المسلم أن يتحرى الحلالَ الطيب فيأخذه ويترك الحرام الخبيث فيجتنبه. وأن عليه أن يكون حذرًا من الأمور المكروهة، ويتخذ الوسائل المناسبة لحمايته منها، وأن لا يتمنى لقاء الفتن، ويسأل الله العافية منها؛ فإنها لو أصابته في دينه فاستجاب لها فقد يموت عليها، فيخسر بذلك خسرانًا مبينًا.
أيها المسلمون، فلما كشف البائعُ أمرَ الدراهم بدأ خبر الفتية ينتشر في المدينة، ولعل أهل تلك المدينة قد تناقلوا الخبر عمن قبلهم بأن فتية تركوا المدينة في ذلك الزمن. وكان أهل المدينة وقت إيقاظ هؤلاء الفتية مؤمنين فكان في ذلك عبرة وآية على إمكان البعث، وتقوية لإيمان أهل المدينة بيوم القيامة؛ لوجود المنكرين والمشككين في زمانهم، فكانت هذه الحادثة ردًا على المنكرين، وتقوية لإيمان المؤمنين [1] .
فلما رآهم أهل المدينة واطلّعوا على قصتهم أمات الله هؤلاء الفتية؛ لتمام حصول العبرة، فاختلف الناس المؤمنون ماذا يفعلون بهم؟ فقال بعضهم: نبني عليهم بنيانًا يمنع الناس من الاقتراب منهم؛ خشية أن يؤذوا أجسادهم، لكن أهل الكلمة والسلطان فيهم قالوا: نبني على مكانهم مسجدًا للعبادة؛ إكرامًا لهم وتعهدًا لهم. وقد كان اتخاذ المساجد على قبور الصالحين من سنة النصارى، [2] لكن في شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم جاء النهي عن ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تتخذوا القبور مساجد؛ إني أنهاكم عن ذلك) [3] .
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف:21] .
(1) ينظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (15/ 41) ، تفسير ابن كثير (5/ 146) .
(2) ينظر: أضواء البيان (2/ 301) ، أيسر التفاسير للجزائري (3/ 248) ، تفسير ابن كثير (5/ 147) .
(3) رواه مسلم.