وقال: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا} {رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [الأحزاب:67 - 68] .
وهذا التلاوم كله لا ينفعهم، ولا يدفع عنهم ما هم فيه: تابعين ومتبوعين؛ لأنهم في النار جميعًا، قال تعالى:: {وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الزخرف:39] .
إن العذاب الشديد-معشر المسلمين- الذي ينزل بأهل النار لا تتحمله أجسام الدنيا التي كانوا عليها؛ ولذلك فإن الله تعالى يخلق أهلها يوم القيامة بأجسام ضخمة غير أجسامهم الصغيرة الضعيفة التي في الدنيا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ضرس الكافر مثل أُحد، وفخذه مثل البيضاء-اسم جبل- ومقعده من النار كما بين قُديد ومكة، وكثافة جسده اثنان وأربعون ذراعًا بذراع الجبار) [1] .
عباد الله، إن العذاب الذي يلاقيه أهل النار ليس بمرتبة واحدة، بل كل عبد يعذَّب فيها على حسب عمله، فمن كان من عصاة المسلمين يعذب بقدر معصيته، ومن كان من الكفار -على اختلاف أصنافهم- يعذب بقدر ما فعل زيادة على كفره، فكما أن أهل الجنة ليسوا على منزلة واحدة بل على منازل فكذلك أهل النار. قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء:145] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أهون أهل النار عذابًا رجل في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل بالقمقم) [2] .
أيها الأحبة الكرام، إن أهل النار يتعدد عذابهم فلا يقاسون عذابًا واحدًا، بل عذابين عمومًا: عذاب معنوي، وعذاب حسي. فأما العذاب المعنوي فهو ما يلاقونه من كلمات التوبيخ والتقريع والتنديم من الله تعالى، ومن الملائكة، ومن العتاب والتلاوم فيما بينهم. قال تعالى: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108] ، وقال: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان:49] ، وقال: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأحقاف:34] ، وقال: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} {قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ} [الملك:8 - 9] .
وأما العذاب الجسدي فهناك طعام وشراب وكساء وفراش وظلال، ولكن الطعام لا يسمن آكله ولا يغنيه من جوع، والشراب لا يطفئ ظمأه ولا يبرد حرارة باطنه، والكساء لا يستر جسده، ولا يقيه ما يكره، والفراش لا يريح بدنه ولا
(1) رواه أحمد، وهو صحيح.
(2) متفق عليه.