فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 231

قال هؤلاء المقلِّدون التابعون الذين استكبروا على اللهِ وعلى كتابِه وعلى رسولِه - صلى الله عليه وسلم - وأقاموا أنفسَهم مقامَ ربِّ العالمين، يشرعون من الدينِ ما لم يَأذَن به الله، ويَأمُرون بالفاحشةِ والمُنكَر، فيشرعون للتابعينَ - الذين هم كالأنعامِ - الشركَ وعبادةَ الموتَى من دونِ الله، باسمِ تعظيمِ الأولياء والصالحين، وما هو إلا تقديسُهم وإشراكُهم مع الله، بل إعطاؤهم حقَّ اللهِ الذي لا ينبغي إلا له وحده، وهو خضوعُ القلب وذلُّه؛ خوفًا ورجاءً، ورغَبًا ورهبًا، ودعاءً واستغاثةً، والتجاءً وضراعةً، وأقاموا لهم الأوثانَ والأصنامَ باسم الأضرحة والمقاصير.

وشَرَعوا لهم عبادتَهم بأنواعِ العباداتِ، وجَعَلوا لهم حجًّا ومناسكَ وشعائرَ وحرماتٍ، مضاهاةً لحجِّ بيتِ الله وشعائرِه وحرماتِه، وسَمَّوا ذلك أسماءً جديدة - كالموالدِ - لا تغيِّر من حقيقةِ الشركِ القديمِ الذي بعَث الله جميعَ رسلِه لهدمِه شيئًا، إلا عند أولئك الطغام الذين هم أضلُّ من الأنعامِ سبيلًا.

وشَرَعوا لهم من التقاليدِ الهندية والكَهَنُوتِيَّة، والعقائد البُوذِية والبَرْهَمِية والنصرانية ما أَسْمَوه باسمِ التصوفِ، وخَلَعوا على كلِّ ذلك من زخرفِ القولِ وغرورِه ما خَدَع أولئك المقلِّدين، فجَرَوا وراءهم كالأنعامِ لا تَفهَم أين يذهبُ بها راعيها، حتى جاء الحقُّ، وانكشف الغطاءُ، وقام الناسُ لربِّ العالمين، ورأوا النار تناديهم بتغيُّظِها عليهم وزفيرِها، قالوا لأولئك السادة المستكبِرين بالمشيخة والرياسة: قد كنتم تزعمون لنا في الدنيا أن طريقَكم على هدى، ودينَكم على استقامةٍ، والآن قد تبيَّن لنا أنكم غررتُم بنا أفحشَ التغريرِ، وكذَبتم علينا أشنعَ الكذب؛ فهل أنتم مُغْنُون عنا من عذابِ الله من شيءٍ؟ قالوا: لو هدانا اللهُ، وأَخَذ بنا إلى سبيلِ النجاةِ {لَهَدَيْنَاكُمْ} ، ولكنتم من ورائنا كما كنتم في الدنيا تبَعًا لنا، ولكن ها أنتم ترون أنَّا في أشدِّ الخسار والهلاك، وحقَّت علينا الخَيْبَة، بما حَمَلنا من أوزارِنا وأوزارِكم، فإنما نحاوِل نحن أن نتبَرَّأ منكم ومن تبعيتِكم لنا؛ فإننا ما سَلَبناكم عقولَكم ولا أسماعَكم ولا أبصارَكم التي أنعم الله عليكم بها، بل أنتم الذين أغريتمونا بغفلتِكم وغباوتِكم وكفرِكم بنعمِ اللهِ، وانسلاخِكم من آياتِه بهذا الذي أوقعنا فيما نحن فيه اليوم من الحسرةِ والثبورِ: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت