لكنَّ المؤمنَ يعلمُ يقينًا - مما يرى ويلمِس من كفر هؤلاء الناسِ جميعًا باللهِ، بأنواع الشرك والكفر من دعواهم معرفةَ ربِّهم - أن هناك معرفةً أخرى، لها وسائلُ غيرُ وسائلِ هؤلاءِ، فيبحث فلا يجدُ إلا معرفةَ رسوله - صلى الله عليه وسلم - والذين آمنوا معه، ووسيلة هذه المعرفة لم تكن بتقليدِ الآباء والأجداد، وما لقَّنوه لأطفالهم، ولا من كتب ألَّفها فلان وزعمها فلان توحيدًا، ولا من فلسفةِ الفُرسِ واليونان، والهند، والإسكندرية، وغيرها.
إنما كانت وسيلتُها الوحيدةُ - التي أخرجت الناسَ من ظلماتِ الجهلِ باللهِ والكفر به إلى نورِ معرفتِه وإخلاصِ الدينِ والعبادةِ له وحدَه - القرآن الكريم والفرقان الحكيم الذي أنزله الله هدًى للناسِ وبيِّنات من الهُدَى والفرقان، فوصَف فيه نفسه العليَّة بالصفاتِ التي ملأت قلوبَ الذين آمنوا به خوفًا، وخشيةً، ورغبةً ورهبةً له وحده.
وعندما يعرفُ المؤمنُ هذا يأخذُ سبيلَه إلى معرفةِ ربِّه من التأمُّل في خلق السمواتِ والأرضِ، وما خلق الله من شيءٍ، والتدبرِ والفقهِ لآياتِ القرآن الحكيم، فيعرف ربَّه معرفةً تملأ قلبَه بالخوفِ والخشيةِ والإجلالِ والإعظامِ للهِ وحده؛ فيقوم بتلك المعرفةِ في عبادتِه خاشعًا مخلصًا، يناجي ربَّه وحده، ويَرجُوه قَبولَ عملِه ومثوبتَه الحسنى على طاعتِه وعبادته، فيزداد قلبُه حياةً، وتزدادُ نفسُه زكاةً وطهارةً، وتزداد رُوحُه صفاءً، ويكون له من كلِّ ذلك قوى جديدةٌ يقوم بها في طاعةِ ربِّه على حبٍّ واتصال به دائمٍ، وخوف وخشية، يستوليانِ على كل حواسِّه ومشاعره.
وهذا معنى الحديث القدسي: (( لا يزال عبدي يتقرَّب إلَيَّ بالنوافلِ حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سَمعَه الذي به يسمع، وبصرَه الذي به يُبصِر، ويدَه التي بها يَبطِش، ورِجْلَه التي بها يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذنِي لأُعيذنَّه، وما تردَّدتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه تردُّدي عن نفسِ المؤمنِ، يَكرَه الموت وأنا أكرهُ مَساءتَه ) ) [1] .
ومعنى قولِه - تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45] .
(1) رواه البخاري برقم (6137) .