الصفحة 6 من 138

أمامها، بل أخَذ يُقلِّبها ويدرسها حتى وصل إلى بَرِّ اليقين، فكان كتابه:"المنقذ من الضلال"؛ معقول؟! نعَمْ معقول ونِصف، ومِن يومها وأنا، بحمْد الله، لا أخشى التفكير فيما في جَعبتي الإيمانية مِن بضاعةٍ دِينيَّة بفضل ذلك الأستاذ العظيم، الذي انعقدتْ بيني وبينه إلى وفاتِه منذُ عِدَّة سنواتٍ صداقةٌ متينة، فكنتُ أزوره دائمًا في بيته، الذي فتَحه لي كأنني ابنٌ مِن أبنائه: أَبيتُ عندَه وآكُل معه وأناقشه في كلِّ شيء، شاعرًا دائمًا بالسعادة في وجودِه رغمَ فارق السنِّ الكبير بيينا، رَحِمه الله رحمةً واسعةً جزاءَ عطفه عليَّ وفتْحِه قلبَه وبيته لي، ومعاملته إياي كأنَّني أحدُ أبنائه، وسَعة أفقه العجيبة في المناقشاتِ الراقية الممتِعة التي كنَّا نَقضي فيها وقتنَا كلَّما الْتقَيْنا.

وفي الكتاب الذي في أيدينا الآن وجهةُ نظرٍ في تفسيرِ القرآنِ جديدةٌ وغريبة؛ إذ ترى المؤلِّفة أنَّ التفاسيرَ القرآنيَّة تعكس منذُ نشأتها حتى الآن فِكرَ الرِّجال، ولا تهتمُّ بالنِّساء ولا بحقوقهنَّ أو وجهة نظرهنَّ، ممَّا أدَّى إلى القولِ بأشياءَ فيها ظُلم للمرأة، ثم نِسبتها للإسلامِ رغمَ أنَّها ليستْ مِن الإسلام في شيء؛ ولهذا نراها قدْ سمَّت كتابها:"نَسْخ التفسير البطرياركي للقرآن"؛ أي: التفسير الأبوي، والمقصود به التفسير الذُّكوري أو الرُّجولي، على اعتبار أنَّ التفسير يعكس، فيما يعكس، النوعَ الذي يَنتمي إليه صاحبُه مِن ذُكورة أو أنوثة، وهو ما يهمُّنا هنا في المقام الأوَّل.

وقد أقبلتُ بعقلٍ مفتوح على الكتاب، الذي أرادتْ فيه صاحبتُه أن تعالجِ التفسير القرآني مِن وجهة نظرٍ نِسْويةٍ فأتتْ بآراء لم يسبقْ للمفسرين ببعضها عهدٌ! متصوِّرة أنَّها بذلك تُحِقُّ الحقَّ وتُبطل الباطل، باطل الرِّجال بطبيعة الحال، فقرأتُه ثم ناقشتُ أهمَّ ما فيه، فوجدتُني أوافق المؤلِّفة في أمور، وأختلِفُ معها في أمور: اختلافًا هادئًا أو شديدًا، حسبَ الأحوال، وكتبتُ ذلك كله في الدِّراسة التي صَدَّرْتُ بها الكتاب، وأرجو ألا أكونَ قد أخطأتُ كثيرًا، وإنْ كان عذري في كلِّ حال أنَّني بذلتُ كلَّ ما عندي مِن جهد في القراءة والفَهم والدَّرْس، وهو ما أرجو أن يكون شافعًا لي عندَ الله وعندَ القرَّاء الأعزَّاء، وأنا - بعدَ هذا وقبلَ هذا - بَشَرٌ لا أَدَّعِي لنفسي شيئًا سوى أنَّني أجتهد ولا آلو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت