الإمكان أو الضرورة، فهو حد صالح للعظم" [1] ؛ وتحديد هذا العظم للخطاب الأدبي هو لأجل الحفاظ على جماليته لأنه"على قدر العظم يكون الجمال تبعا للعظم" [2] ."
من خلال تناولنا لوحدة القصيدة والعبارة لدى نقاد القرن الهجري الثامن، نجد أن دراستهم لها تتقاطع مع مجموعة من الأفكار التي أشرنا إليها في النقد اليوناني، ومن أهمها:
-تحدث كل من أرسطو وأفلاطون عن الوحدة المنطقية للخطاب الأدبي؛ فوجدا أن أجزاءه تخضع للتقسيم والترتيب المنطقيين: أول ووسط ونهاية، وأن هذه الأجزاء يفضي سابقها إلى لاحقها، فهي حلقات متتابعة تتابعا فنيا، تحكمه سيرورة الأحداث، وتحركه آليات الصراع في تصاعد ينتهي بالذرة، وفي سقوط مآله النهاية. ولا يجوز البدء بآخرها والانتهاء إلى أولها. وعلى الرغم من تلاحمها وتناسقها، فإن لكل قسم من الأقسام الثلاثة شروطه الخاصة وطوله المعلوم.
-تناول ناقدا اليونان المذكوران -كذلك- الوحدة العضوية، من خلال الحديث عن تلاؤم الأقسام الثلاثة من جهة، وفي تضافر عوامل أخرى لبناء وظيفة الخطاب، ومنها: اللغة والصور والرموز والخيال والحكاية والإيقاع والطول ... وكل هذه العوامل إضافة إلى الأقسام تشكل كلاًّ حيويًا ينمو بنماء الأحداث، وينقضي بالوصول إلى النهاية.
-تحدث هذان الناقدان عن الوحدة الجمالية الملتفة مع الوحدة المنطقية، ولهذا كان الحديث عن طول الخطاب وعظمه وأثر ذلك على الجمالية الشكلية للخطاب المنتجة للذة. ولهذا نجد أرسطو يتكلم عن"الشيء الجميل"ويعطيه وصفين: الترتيب والعظم المقبول.
بالمقارنة بين النقد اليوناني القديم ونقاد القرن الهجري الثامن، نجد أن الأول تناول موضوع الوحدة في الخطاب بصفة عامة من خلال مدخل جنس المأساة. وأما الثاني فقد تناول قضية الوحدة في العبارة بصفة عامة، سواء كانت قرآنا كريما أو نثرا أو شعرا: بيتا أو قصيدة.
وهذا التداخل بين أنواع الخطاب في دراسة قضية الوحدة الفنية نجده كذلك لدى شراح أرسطو من الفلاسفة المسلمين.
ب الوحدة العضوية لدى الفلاسفة المسلمين:
تناول ابن سينا هذه المسألة من خلال دراسته لأجزاء طراغوذيا، وفيها يكاد ينقل حرفيا ما جاء لدى أرسطو، مكررا نفس الأفكار التي جاء بها معلمه. متحدثا عن وحدة منطقية ووحدة عضوية ووحدة جمالية. يقول:"واستعمال طراغوذيا إذن بسبب التعظيم والتكميل للتخييل. وكلُّ تمام وكلٍّ فله مبدأ، ووسط، وآخر. والوسط مع وقبل. والمبدأ قبل. وليس يجب أن يكون مع. والآخر مع، وليس يجب أن يكون قبل شيء، والجزء الفاضل هو الوسط، وإن كان من جهة المرتبة"
(1) - في الشعر، ص:60 - 62.
(2) - في الشعر، ص:60.