فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 138

وكانت العرب لا تذهب هذا المذهب في خروجهم، بل يقولون بعد فراغهم من نعت الإبل وذكر القفار وما هم بسبيله:"دع ذا"و"عد عن ذا"، أو يبتدئون الكلام في السبيل التي يريدون الكلام فيها، غير متصل بما قبله من غير"دع"ولا"عد"أو نحوهما" [1] . يرى هذا الناقد في هذا النص أن ترتيب الأغراض في القصيدة تطور نحو التخلص الفني دون تلك اللازمة"دع ذا"التي عُرفت في القصيدة العربية القديمة. ثم يرى أن هناك قصائد لا تحتاج إلى هذه اللازمات اللغوية، لأنها قصائد مفككة يستقل فيها كل بيت بنفسه. ويفرق -هنا- بين مذهبين:"

-مذهب المحدثين في الشعر الذي يحافظ على الوحدة العضوية للقصيدة، وينتقل داخل أقسامها انتقالا فنيا؛ وهو ما نجده لدى شاعرين من نقاد القرن الهجري الثامن: ابن الخطيب السلماني الذي يعتبر القصيدة مثل الليل والنهار، فجعل الليل نسيبا، وجعل الصبح مديحا؛ وجعل التخلص من النسيب إلى المدح، مثل التخلص من الخيط الأسود إلى الخيط الأبيض. وأما مالك بن المرحل الذي يحرص على الترتيب المنطقي: وهو أن يبدأ بالتشبيب، فيشتكي لوعة الحب حتى يستدعي أسماع المتلقي، ثم يردفه بالمديح لينال نظيره ندى. وسمى الثعالبي الفاسي هذا الترتيب المنطقي لفصول وأغراض القصيدة بالتخلص، يقول:"وأما التخلص فهو الانتقال من معنى إلى معنى كالانتقال من الغزل إلى المدح فإذا كان ملائما حسنا نشط ذلك السامع. وأعانه إلى إصغاء ما بعده وإن كان على خلاف ذلك كان الأمر بالعكس. فينبغي على هذا أن يتلطف الشاعر ويتحيل في تسبيق ذكر الممدوح والخروج إلى وصفه من غير لما هو له، ثم يتمادى في المدح. وبالتمادي فارق الاستطراد" [2] . ويرى أن أبا تمام قد أحسن في قصائده حتى أنه يصعب إزالة أي بيت منها، يقول:"انفرد بحسن المقطع يكاد الشاعر الماهر يزيل له بيتا واحدا في آخر قصيدته فلا يقدر على ذلك" [3] . وهو ترتيب شاع في التراث النقدي العربي القديم، يقول ابن قتيبة:"وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصِّد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار فبكى وشكا وخاطب الربع واستوقف الرفيق ليجعل ذلك سببا لذكر أهلها الظاعنين عنها إذ كان نازلة العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المدَرِ لانتقالهم من ماء إلى ماء وانتجاعهم الكلأ وتتبُّعهم مساقط الغيث حيث كان ثمَّ وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجد وألم الفراق وفرط الصبابة والشوق ليُميل نحوه القلوب ويصرفَ إليه الوجود ويستدعي به إصغاء الأسماع إليه لأن التشبيب قريب من النفوس لائط بالقلوب لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبَّة الغزل وإلف النساء فليس يكاد أحد يغلو من أن يكون متعلِّقا منه بسبب وضاربا فيه بسهم حلال أو حرام، فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه والاستماع له عقَّب بإيجاب الحقوق فرحل في شعره وشكا النصب والسهر وسُرى الليل وحرَّ الهجير وإنضاء الراحلة والبعير، فإذا علم أنَّه قد أوجب على"

(1) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:386 - 387.

(2) - أنوار التجلي، الورقة: 4 - 5.

(3) - أنوار التجلي، الورقة: 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت