"بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة [1] ، ومُحَلَّم بن جَثَّامَة [2] ، فمر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي [3] فسلم علينا فحمل عليه مُحَلَّم فقتله، فلما قدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبرناه الخبر نزل القرآن"، فذكر هذه الآية، وأخرجها ابن إسحاق [4] من طريق ابن عمر أتم سياقًا من هذا، وزاد: أنه كان بين عامر ومُحَلَّم عداوة في الجاهلية، وهذه عندي قصة أخرى [5] ، ولا مانع أن تنزل الآية في الأمرين معًا؛"الفتح": 8/ 107.
وفي الآية دليل على أن من أظهر شيئًا من علامات الإسلام لم يحل دمه حتى يختبر أمره؛ لأن السلام تحية المسلمين، وكانت تحيتهم في الجاهلية بخلاف ذلك، فكانتْ هذه علامة.
وأما على قراءة السلم على اختلاف ضبطه، فالمراد به: الانقياد، وهو علامة الإسلام؛ لأن معنى الإسلام في اللغة: الانقياد، ولا يلزم من الذي ذكرته الحكم بإسلام من اقتصر على ذلك وإجراء أحكام المسلمين عليه، بل لا بد من التلفُّظ بالشهادتين على تفاصيل في ذلك بين أهل الكتاب وغيرهم [6] ، والله أعلم؛"الفتح": 8/ 108.
(1) هو: أبو قتادة الحارث - على المشهور - بن ربعي بن بلدهة بن خُنَاس الأنصاري الخزرجي السلمي، فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهد أحدًا وما بعدها، وقيل: شهد بدرًا، توفي عام 54 هـ؛ انظر:"الاستيعاب"؛ لابن عبدالبر: 4/ 294،"أسد الغابة"؛ لابن الأثير: 6/ 245،"الإصابة"؛ لابن حجر: 4/ 157.
(2) هو مُحَلَّم بن جثامَة بن قيس بن ربيعة الكناني الليثي، أخو الصعب بن جثامة، قيل: مات في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل: بل نزل حمص ومات بها في إمارة ابن الزبير؛ انظر:"الاستيعاب"؛ لابن عبدالبر: 4/ 23،"أُسْد الغابة"؛ لابن الأثير: 5/ 71،"الإصابة"؛ لابن حجر: 3/ 349.
(3) عامر بن الأَضْبَط الأشجعي، قتلته سرية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يظنونه متعوذًا بالشهادة، وقيل: المقتول غيره، انظر:"الاستيعاب"؛ لابن عبدالبر: 2/ 335،"أسد الغابة"؛ لابن الأثير: 3/ 113،"الإصابة"؛ لابن حجر: 2/ 238.
(4) أخرجه ابن جرير في تفسيره: 9/ 72 رقم: 10211 من طريق ابن إسحاق، وأورده ابن كثير في"البداية والنهاية": 4/ 225، والسيوطي في"الدر المنثور": 2/ 356 عن ابن جرير.
(5) قلت: على هذا هي ثلاث قصص:
الأولى: في الرجل الذي قتله المقداد، والثانية: في الرجل الذي قتله أسامة بن زيد، والثالثة: في الرجل الذي قتله محلم بن جثامة، وعلى هذا تكون هذه الآية من الآيات التي تعددت أسبابها والنازل فيها واحد، وهذا أمر جائز، انظر: في ذلك:"مجموع الفتاوى"؛ لابن تيمية: 13/ 340 - 341،"الإتقان"؛ للسيوطي: 1/ 94،"مناهل العرفان"؛ للزرقاني: 1/ 117،"قواعد التفسير"؛ للسبت: 1/ 66.
(6) انظر:"أحكام القرآن"؛ للجصاص: 2/ 350،"أحكام القرآن"؛ لابن العربي: 1/ 482،"البسيط"؛ للواحدي - تحقيق المحيميد: 2/ 378،"الجامع لأحكام القرآن"؛ للقرطبي: 5/ 339،"محاسن التأويل"؛ للقاسمي: 5/ 391.