فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 205

ذات (مشاهدة بصرية (ذات أو موضوع (تقابل أو تجاور

ويعني هذا أن النظر يستوجب الناظر والمنظور إليه عبر علاقات التقابل والتجاور والتحاذي. وقد تكون هذه العلاقة التي تجمع بينهما علاقة إيجابية قائمة على التعاون والتعايش أو علاقة سلبية مبنية على الصراع والعدوان والحذر والترقب.

ونستحضر في هذا المقام مثال: (النظرة le Regard) الذي استشهد به جان بول سارتر Sartre، وينطبق على الجملة النصية الأولى، فالذات - هنا- تملك العلم والقدرة والمعرفة والوعي والقصدية والفعالية والقوة، بينما الموضوع الثاني (المنظور إليه) يبدو شيئا ماديا فاقدا لكل هذه الصفات والخصائص. ومن هنا، فالذات الأولى تسلب الآخر حريته، وتجعله موضوعا قابلا للاستلاب والتشييء. فتحدث - إذًا- بينهما هوة فاصلة تفقد الغير كل مقوماته كالوعي والحرية والإرادة. ويعني هذا أن ليس هناك مساواة بين الذات والموضوع على مستوى التواصل الإنساني. وهذا ما أثبته سارتر في كتابه (الوجود والعدم) :"يقوم بين الذوات المختلفة، التي يعزى انفصالها إلى الأجسام، مايشبه مكانا، أي، على وجه التحديد، عدما معطى، مسافة مطلقة تنفعل بها الذوات وتتحملها ... إن الغير إذ يتجلى لنا داخل عالم مكاني، فإن ما يفصل بيننا هو مكان واقعي مادي أو نظري فكري." [1]

والمقصود من هذا أن بين الأنا والآخر علاقة عدوانية قائمة على الانفصال الذهني والمكاني. وبذلك، تتحول هذه العلاقة إلى جحيم وعدم. ومن هنا، يترجم لنا مثال النظرة حالة الاستلاب والعدوان، فإذا أخذنا - مثلا - طفلا يتصرف بكل عفوية وتلقائية وحرية، فما أن ينظر إليه إنسان آخر، فينتبه إليه الطفل، آنئذ تتجمد حركاته وأفعاله، وتفقد عفويتها وتلقائيتها، ولعل هذا ما تعبر عنه عبارة سارتر المشهورة:"الجحيم هو الآخرون".

وهكذا، نفهم أن النظرة في الجملة النصية الأولى تقوم به ذات واعية حرة لها كل مقومات الإرادة والقوة لتطويق الآخر، وتشييئه عدما واستلابا. ومن ثم، فهناك تقابل وهوة وجودية فاصلة بين الذات والموضوع.

وعليه، تنبني وضعية الاستفتاح القصصي على نظرة عدائية تجاه الآخر، قوامها هوة فاصلة تتمثل في أفعال استهوائية وانفعالية كالحذر والترقب والخوف والسخط والغضب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت