الصفحة 54 من 92

أصالة حبّ الوطن والحنين إليه عند الإنسان، يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} (النساء: 66) . فبيّن أن الإخراج من الديار (أي الأوطان) هو أمر صعب على الإنسان، لشدّة ألفته واعتياده عليها. وبالفطرة نعلم أنّ حبّ الوطن شعورٌ أصيلٌ عند الإنسان، ولا نحتاج من يعلّمنا إياه! وليس مخصوصا في النزعة"الوطنية"التي نشأت وتشكّلت في ظروف خاصة، وحملت في معانيها ومقتضياتها قيمًا ومدلولاتٍ زائدةً عن مجرّد حبّ الوطن، بل حبّ الوطن ما هو إلا تابع في النزعة الوطنيّة، وأساسها أنّها: هوية ومحور انتماء وولاء، وأنها تفرض واجبات ومحظورات على المواطن تسمّى"الواجب الوطني"أو"المحظور الوطني"، وأنّ لها واقعا تطبيقيّا ملموسا هو الدولة القطرية مرسومة الحدود، بحيث يكون الانتماء متوجّها لها، وللجماعة من البشر القاطنين داخل حدودها، بغضّ النظر عن أديانهم ومعتقداتهم ووجهات نظرهم في الحياة. ولذلك فالواقع يبرهن أنّ"الوطنيّة"ليست مجرّد"حبّ الوطن"، وأنّ استخدامها بهذا المفهوم هو حيادٌ عن الموضوعية والواقع.

وبالعودة إلى الإسلام، نجد أنه - في نصوصه الشرعية المحكمة - قد وجّه إلى بعض تلك القيم: كالإحساس بالوشيجة بينه وبين الأرض، غير أنّه جعل هذا الإحساس مرتبطًا بالكون كله وليس بأرض محصورة بحدودٍ ما أنزل الله بها من سلطان! الوشيجة النابعة أصلا من أنّ هذا الكون عابد لله، يحس الإنسان بالتوافق والتناسق معه حين يكون عابدا لله، ويمشي في جنباته مستشعرًا عظمة الله. والإسلام كذلك يوجّهنا إلى الاهتمام بقضايا المسلمين كلّهم وليس فقط بأبناء الوطن الواحد! فهو لا يعترف بهذه الحدود الوطنية المصطنعة المفرقّة للأمة والمشتّتة لوحدتها، فمفهوم الأمة المسلمة الفسيح الواسع يغلب فيه على مفهوم الوطن الضيق المتعصّب. ولنا مع كتاب الله عزّ وجلّ هذه الجولة نستمدّ منها تلك المعاني:

{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (فصّلت: 11) .

فههنا يحسّ المسلم بتلك الوشيجة الكبرى مع هذا الكون العابد لله، حين يرى مظاهر قدرة الله وتدبيره لمختلف ظواهر الطبيعة من حوله، سواء كانت جبال الهملايا، أو غابات الأمازون، أو بحيرات إفريقية، أو سهول أمريكا الشمالية، أو أنهار أوروبا، فكلّها من خلق الله، ومن ثمّ فكلّها طائعٌ لله وأثر من آثار قدرته.

ويقول تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك: 15)

ويقول: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (البقرة: 29) .

ويقول: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (هود: 61) .

وبعدُ، فوطن المسلم الحقيقي الدائم هو الجنة، وما اعتبار الأوطان روابطَ أبديةً إلا خبل يصاب به من ابتعد عن منهج الله تعالى، فالمقام في هذه الأرض ليس أبديًّا، إنما هي دار ممرّ، ومتاع إلى حين: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} (البقرة: 36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت