الصفحة 16 من 92

وفي نفس الدلالة تخرج الكيانات والنظم التي تتجمّع على القوميّات والوطنيّات من الشرعية لاجتماعها على غير الإسلام؛ ذلك أنّها أوضاع افتراق تفرّق الأمة الإسلامية إلى ولاءات وانتماءات جاهلية كالنسب والعرق والوطن، ممّا يُضعفها ويطمس معاني وحدتها على رابطة الإيمان والتي أُمرتْ بها. وبهذا يكون قد تبيّن لنا علاقة مفهوم الهوية (باعتبارها محور استقطاب للأمة) بمفهوم الجماعة الشرعي، ويتبيّن لنا أنه لا شرعية لأوضاع الفرقة كالعصبية القبلية والقومية والوطنية التي تسود - مع الأسف - في بلاد المسلمين. بل ويتأكّد معنى النهي عن الافتراق في آية أخرى تأتي في السياق: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . (آل عمران: 105)

ثم يستمرّ السياق: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (آل عمران: 103) . فالله قد ألّف بين قلوبهم بهذا الدين، وأصبحوا إخوانا بالإسلام كذلك: {إنّما المؤمنونَ إخوة} (الحجرات: 10) . فرابطة الأخوة الشرعية التي تقتضي المحبّة والموالاة هي رابطة الإيمان، وأمّا الروابط الأخرى فهي روابط مفرّقة وموقظة للعداوة بين المسلمين إن هم اتخذوها روابط أخوة وانتماء، مما يؤدي إلى ضعفهم وخفوت قوّتهم، فعلى الإيمان وحده تآلفت قلوبهم لا على الوطن ولا النسب ولا العرق ولا القوم، وتلك نعمة من الله أنعمها عليهم، وأنقذهم من النار بالإسلام له وحده.

وبقي أن نبيّن مفهوم"الأمة"كما هو ظاهر في سياق هذه الآيات من سورة آل عمران إذ يقول تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران: 104) ويقول: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} (آل عمران: 110) .

والأمّة هنا بمعنى: الجماعة [1] ، وهي: جماعة من الناس أكثرهم من أصل واحد، وتجمعهم صفات موروثة، ومصالح وأمانيّ واحدة، أو يجمعهم أمر واحد من دين أو مكان أو زمان [2] .

وفي الآية الثانية يتّضح معنى الأمة الإسلامية الشرعيّ؛ بأنها الجماعة من الناس التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، فهذا هو معيار خيريّتها، وتلك هي عناصر كونها أمة. فلا تجتمع على غير رابطة الإيمان ومفاهيم الإسلام، وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر يتطلّب أن تتشكّل في تجمّع يحكمه نظام، يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في تفسيره"في ظلال القرآن"في تفسير الآية رقم 104 من سورة آل عمران:"فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته. فهناك"دعوة"إلى الخير. ولكن هناك كذلك"أمر"بالمعروف. وهناك"نهي"عن المنكر. وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان، فإن"الأمر والنهي"لا يقوم بهما إلا ذو سلطان .."

(1) لسان العرب لابن منظور.

(2) المعجم الوسيط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت