الصفحة 67 من 141

كأن رجليه رجلا مقطف عجل ... إذا تجاوب من برديه ترنيم

قال ابن رشيق: «نقل صفة الذباب إلى رجلي الجندب, فأحسن الأخذ وكأنه لم يعرض لعنترة في معناه.

وهنا نقول: لا فرق في هذا النقل بين نقل المعنى ونقل الصفة, لأن الصفة التي هي هيئة حركة يدي الذباب في بيت عنترة هي نفسها الهيئة والحركة في وصف رجلي الجندب «ذكر الجراد» .

ولأن المعنى هو إبراز السرعة في الحركة على هيئة مخصوصة, وقد تحقق هذا المعنى في بيت ذي الرمة تحققه في بيت عنترة سواء بسواء. فلم يعرض ذو الرمة من معنى عنترة.

وكان الأصوب في الحكم من ابن رشيق أن يقول احتذاه في وصفه ومعناه في إطار وأسلوب غير أسلوبه. أما هذا التفصيل في الأخذ فهو فيما أرى من باب الشمس والإطالة في الحكم على الشيء.

ثم يردف ابن رشيق شاهدا آخر على هذا المقياس من قول السلامي في صفة الزنبور:

إذا حك أعلى رأسه فكأنما ... بسالفتيه من يديه جوامع

قال ابن رشيق: فباعد عنترة في الصفة - يعني السلامي - وإن قاربه في الموصوف.

قال: وتعلق بصريع إذ يقول في النساء:

فغطت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدي أسارى أثقلتها الجوامع

ويظهر من حكم ابن رشيق على بيت السلامي وبيت «صريع» من خلال مقياس نقل المعنى والصفة أنه يكتفي بالنظرة العابرة فإنه لا قرابة بين البيتين فهذا من واد وذلك من واد آخر.

بيت السلامي في وصف حركة الزنبور, وبيت «صريع» في وصف حلي المرأة على لسانها فالشبه بعيد بينهما حتى في نسق الألفاظ, ثم إن في بيت «صريع» لفظة لم تصب مكانها من قوله «بأيديها من فقد نظمها بلفظ الجمع وليس لمخلوق سوى يدين اثنتين منكم يد لهذه المرأة؟ وما أتبع صورتها لو كان لها أكثر من اثنتين!!

وهذا ونحوه مما يتجاوز عن ذكره ابن رشيق إما إخفاء وإما تناسبًا.

ويطلعنا ابن رشيق في القراضة بمقياس نقدي آخر من خلال مقياس السرقات سماه «نقل المعنى» وتكلم عليه في الصفحة السبعين وفي الصفحة السادسة عشر بعد المائة, وفي الصفحة التاسعة عشرة بعد المائة:

قال ابن الدمينة:

إذا أسفر بعد التهجد والسري ... جلوا عن غراب السن بيض الصحائف

فنقل ابن الرومي معنى هذا المدح إلى الذم فقال فأبدع في التمثيل والتشبيه:

لك وجه كآخر الصك فيه ... لمحات كثيرة من رجال

فخطوط الشهود مختلفات ... شاهدات أن لست بابن حلال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت