الله؛ لتقويَة المسلمين، وإضعافِ المشركين، فإنّ النفقةَ فيهِ جهادٌ بالمال، وهو فرضٌ كالجهادِ بالبَدَن)، {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} بترك الجهاد في سبيل الله، وعدم الإنفاق فيه.
? ولَمّا كانت النفقة في سبيل الله نوعًا من أنواع الإحسان، أمَرَ اللهُ تعالى بالإحسان عمومًا، فقال: {وأحسِنوا} - أي في كل أمُوركُم -، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ، والإحسانُ - كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مُسلِم: (أن تعبُدَ اللهَ كأنك تراه، فإنْ لم تكنْ تراهُ، فإنه يَراك) .
الآية 196: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} : يعني وأدُّوا الحَجّ والعُمرة تامَّيْنِ، خالِصَيْن لوجهِ اللهِ تعالى، {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} : يعني فإنْ مَنَعَكُم مانعٌ عن الذهاب لإتمامِهمَا (كالعَدُوّ والمرض) ، وذلكَ بعد أن نويتم الدخولَ في النُّسُك: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} : أي فالواجب عليكم ذَبْحُ ما تيَسَّرَ لكم من الإبل، أو البقر، أو الغنم.
? واعلم أنّ أقلَّ ما يُجزئ في الهَدْي: (شاة(يعني ضأن أو ماعز، ذكر أو أنثى) ، أو سُبع بقرة (يعني يُشاركُ سِتَّة غيره في ثَمَنِها) ، أو سُبع جَمَل)؛ وذلك لكي تَخْرُجوا وتتحَلّلوا مِن إحرامِكُم بحَلق شعر الرأس أو تقصيره، {وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ} إذا كنتم مُحصَرين - أي مَمنُوعين - {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} : أي حتى يَذبح المُحصَرُ هَدْيَهُ في المَوضِع الذي مُنِعَ فيه مِن إتمام النُّسُك، كما نَحَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في"الحُدَيْبيَة"، ثم حَلَقَ رأسه، وأمّا غير المُحصَر فلا يَنحَر الهَدْي إلا في الحَرَم (وذلك في يوم العِيد، أو في أيّ يوم من الثلاثة الأيام التي تَلِي يوم العِيد) .
{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} : يعني فإذا حصل الضرر، بأنْ كانَ هذا المُحصَرُ مَريضًا (ويُرجَى شفاؤهُ إذا حلقَ رأسَه) {أو} كانَ {به أذًى مِن رأسِهِ} مِثل الجُرُوح، والحَشَرة المعروفة بـ (القمل) ونحو ذلك مِمَّا يَجعله يَحتاجُ إلى الحَلق (وهو مُحْرِم قبل أن يَنحر الهَدْي) ، فإنه يَحلق وعليه الفِديَة، وقد ذكَر اللهُ هذه الفِديَة في قوله: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ} : أي يصوم ثلاثة أيام، {أَوْ صَدَقَةٍ} : يعني أو يتصدق على سِتة مساكين، بحيثُ يُعطي لِكل مسكين منهم نصفَ صاعٍ من طعام، (والصَّاع: هو ما يُقَدّر بـ 2.5 كيلو جرام تقريبًا) ، {أَوْ نُسُكٍ} : يعني أو يَذبح شَاة، ويُوَزِّعها على فقراء الحَرَم (هكذا على سبيل التَخيِير، وحَسَب الأيْسَر له: إما الصيام، أو الصدقة، أو الذبح) .
{فَإِذَا أَمِنْتُم} : يعني فإذا كنتم في أمْنٍ وصِحَّة، ولم تُمنَعُوا عن إتمام النُّسُك: {فَمَنْ تَمَتَّعَ} منكم {بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} وذلك بأن أحْرَمَ بعُمرةٍ في أشهُر الحج، ثم تحَلّلَ بعد انتهاء عُمرَتِه (أي فعل ما كانَ مُحَرَّمًا عليه بسبب الإحرام) ، ثم بقِيَ في مكة يَنتظرُ الحَجّ، وَحَجَّ فِعلًا: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} : أي فعليه ذبْحُ ما تيَسَّرَ مِن الهَدْي (سواء مِن الإبل، أو البقر، أو الغنم) ، {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} هَدْيًا يذبحه: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي} أشهر {الْحَجِّ}