الفكرية سالفة الذكر - وإن كانت تقوم بفروض الكفاية عن المسلمين، فإنهم كأفراد عاديين يتلزمون مثل غيرهم بسائر فروض العين، ومن ثم تعين عليهم الانتباه أولا لما عليهم من فروض متعينة، ليحلوا مطعمهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} ، وقال {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك) [1] .
وعليهم أن لا يرتضوا لأنفسهم أبدا أن يبيعوا دينهم بعرض من الدنيا، فأشر الكسب هو أن يبيع المرء دينه بعرض من الدنيا، لأنهم إذا تولوا مركز القيادة لهذه الأمة المحمدية فإن الدنيا سوف تفتح عليهم، وسوف يكونون أمناء عليها، وسوف يكون دينهم في المختبر، فإذا ما غفلوا عن ذلك فسوف يبيعون دينهم مقابل دنياهم، كما فعل أحبار اليهود والنصارى، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة/34) ، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من الشفاعة في حدود الله تعالى، يقول المولى سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء/135) ، وعن عائشة قالت: استعارت امرأة على ألسنة أناس يعرفون وهي لا تعرف حليا فباعته وأخذت ثمنه فأتي بها النبي صلى الله عليه وسلم فسعى أهلها إلى أسامة بن زيد فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أتشفع إلي في حد من حدود الله فقال أسامة استغفر لي يا رسول الله ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عشيتئذ فأثنى على الله عز و جل بما هو أهله ثم قال أما بعد فإنما هلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف فيهم تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ثم قطع تلك المرأة تابعه الليث على قوله
(1) رواه مسلم ج 5 ص 192 رقم 1686