ينتج عنها من نفع عام للبشرية جميعا كحركة السفن في الماء، ونزول قطر الماء من السماء الذي به تزدهر الأرض وتزداد خصوبة، فضلا عن الدراسة العكسية للحركة من خلال ربط الأفعال بأسبابها، فلا أرض تحيى بلا ماء ينزل، ولا دابة تدب بلا مصدر رزق من الأرض، فدراسة هذه العلاقة بين الأسباب والأفعال، وبين الحركة والنتيجة هو الذي يُميز الإنسان عن الحيوان، لأنه يتمتع بالطيبات مع التمعن في صَنعة الله فيها، ثم يرتقي الفكر أكثر وأكثر ليصل إلى مرحلة تحليل النتائج المترتبة على هذه الظواهر الطبيعية لإدراك أن الكون فيه قوة تصريف الرياح، وقوة تسخير السحاب، فضلا عن وضعه في مكانه بين السماء والأرض، فلا هو يطير في السماء بلا رجع، ولا هو محبوس في الأرض بلا بخر، لينتهي الفكر إلى إدراك أن هذه القوة لا تفسير لمصدرها إلا قوة الله تعالى، ومن ثم يتحقق الربط بين العلم والإيمان، ليكون العلم بظاهر الحياة الدنيا من كمال الإيمان بالله تعالى.
ويجدر التنويه إلى أن من بكورة تربية النبي صلى الله عليه وسلم وتأهيله فكريا لقيادة الأمة مصعب بن عمير، إذ أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يكن بعد النبي صلى الله عليه وسلم قد هاجر إليها، فعن محمد العبدري قال: كان مصعب بن عمير فتى مكة شبابا و جمالا و كان أبواه يحبانه و كانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب و أرقة و كان أعطر أهل مكة و رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكره و يقول: (ما رأيت بمكة أحسن لمة و لا أرق حلة و لا أنعم نعمة من مصعب بن عمير) [1] ، فكان من النخب التي يتحدث عنها أهل يثرب ويعرفونه قبل مقدمه [2] ، فلما مكث فيها أسلم علي يديه خلق كثير، ومن ثم مهد المجتمع لاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم حال هجرته إليها بعدما عادته مكة، ولم يكن بعد نزل من آيات القرآن شيء غير آياته المكية التي تتحدث عن العقيدة الإسلامية، ولم ينزل شيء من القرآن يتكلم عن الأحكام المدنية، فاستطاع مصعب بن عمير بفضل الله تعالى أن يحيِّي مجتمع المدينة المنورة - بفضل الله تعالى عليه - بالفكر والتفكر.
(1) المستدرك على الصحيحين للحاكم ج 3 ص 221 رقم 4904
(2) مع المصطفى 1 ص 166 للدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) أستاذة الدراسات القرآنية بكلية الشريعة ودار الحديث جامعة القرويين /المغرب مع المصطفى 1 ص 166 الناشر: دار الكتاب العربي بيروت لبنان.