يَعْلَمُهُمْ) فالآية ليست بمعنى: لا تعرفونهم الله يعرفهم؛ لأنَّ المراد في آية الأنفال ونحوها معنى العلم لا معنى المعرفة، قال ابن كثير: روي (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في قوله تعالى:(وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ) قال هم الجنُّ ... وهذا الحديث منكر لا يصح إسناده ولا متنه، وقال مقاتل بن حبان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم هم المنافقون، وهذا أشبه الأقوال، ويشهد له قوله تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) {التوبة: 101} )) [1]
لا يصح إذن هنا أن يكون المقصود من العلم معنى المعرفة، لأنَّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعرفون المنافقين، بل كانوا يرونهم ويجالسونهم ويتعاملون معهم، لكنهم ما كانوا يعلمون حقيقتهم، أنَّهم منافقون، وأنَّهم سرًّا يكيدون لهم وللإسلام، وهذا هو المعنى المراد من آية الأنفال وآية التوبة، فجعْلُ العلم فيهما بمعنى المعرفة يُعدُّ تحريفًا صريحًا للتفسير ولدلالة اللفظ القرآني في هاتين الآيتين ونحوهما، فكيف تسنى لأساطين اللغة والتفسير كالأخفش والطبري السقوط في هذا المأخذ الكبير؟! إنَّه القول بالتضمين.
2 -أما سأل النحاة أنفسهم كم مرة وردت (عَلِمَ) متعدية إلى مفعولين؟! إنَّها لم ترد على هذا الأصل كما زعموا إلاَّ في موضع واحد، هو قوله تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) {الممتحنة: 10} لذلك لم أجد النحاة يستشهدون في هذا الباب إلاَّ بهذه الآية، أمَّا ورودها متعدية إلى مفعول واحد فهو الشائع في القرآن الكريم، كقوله تعال: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوا مِنكُمْ
(1) تفسير القرآن العظيم 4/ 58.