الصفحة 20 من 63

وإذا كانت الشواهد السابقة على التشبيه بمثل قد جاءت الأداة في موضعها الطبيعي حيث التوسط بين الطرفين، فإننا نجد عند أوس ابن حجر انحرافًا عن هذا الترتيب الطبيعي، إذ يُدخل مثل على المشبه به، ولكنه يؤخر المشبه إلى ما بعد المشبه في قوله [1] :

وَقَدْ لَهَوْتُ بِمِثْلِ الرِّئْمِ آنِسَةٍ=تُصْبِي الْحَلِيمَ عَرُوبٍ غَيْرِ مِكْلاحِ

فالأصل في الصورة التشبيهية أن يقول: لهوت بآنسة مثل الرئم، ولكنه أخر المشبه عن المشبه إثارة للاهتمام والتركيز على المشبه به المقدم.

وعندما تتصل ما المصدرية بمثل، فإنها تختص آنئذ بتشبيه الأحداث أو الأفعال والهيئات شأنها في هذه الحالة شأن الكاف عندما تتصل بها ما المصدرية، يقول كعب [2] [خفيف] :

فَاصْبِرِي مِثْلَمَا صَبَرْتُ فَإِنِّي ... لا إِخَالُ الْكَرِيمَ إِلاَّ صَبُورَا

فهو يريد منها أن تصبر صبرًا شبيهًا بصبره هو، فاستخدم الفعل الدال على الهيئة والحركة؛ ليبث في الصورة حركية تستطيع المرأة أن تنتبه إلى أثرها، فتسارع إلى تلبية المراد منها.

أدوات أخرى للتشبيه:

وردت للتشبيه أدوات أخرى غير الثلاثة السابقة عند الشعراء الأربعة، وقد تراوحت هذه الأدوات بين الفعلية والاسمية، فمن الأولى قول أوس [3] [كامل] :

شَبَّهْتُ آيَاتٍ بَقِينَ لَهَا ... فِي الأَوَّلِينَ زَخَارِفًا قُشُبَا

فقد شبه ما بقي من آثار الديار بالزخارف الجديدة التي لم تندثر، والزخارف مما يثير الإحساس بالجمال والمتعة المبهجة لعين الناظر، وربما كانت المتعة الجمالية للزخارف القشيبة غير موائمة لمنظر الديار البالية التي لم يبق منها غير تلك الآثار، بيد أن الرؤية الشعرية تصرف مثل هذا المأخذ نحو الأثر الذي تركه في نفس الشاعر المؤتنس بهذه الآثار رغم ما تثيره في نفسه من مشاعر الحزن والألم بسبب فقد المحبوبة وارتحالها تاركة الديار على هذه الحالة التي يرثى لها، وكانت أداة التشبيه هي الفعل الماضي شبهت الذي يستخدمه كعب في تشبيه ناقته بالثور فيقول [4] [كامل] :

شَبَّهْتُهَا لَهِقَ السَّرَاةِ مُلَمَّعًا ... مِنْهُ الْقَوَائِمُ طَاوِيَ الْمُصْرَان

(1) 92 - ديوان أوس ص 13 [بسيط]

(2) 93 - ديوان كعب ص 123.

(3) 94 - ديوان أوس ص 1.

(4) 95 - ديوان كعب ص 163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت