وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهمًا من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهمًا من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات فقال: الناس: آمنّا برب الغلام .. آمنا برب الغلام .. آمنا برب الغلام ...
فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدّت وأضرم النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها أو قيل له: اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال: لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق." [1] "
"كذلك تنتهي رواية الحادث وقد ملأت القلب بالروعة ... روعة الإيمان المستعلي على الفتنة , والعقيدة المنتصرة على الحياة , والانطلاق المتجرد من أوهاق الجسم وجاذبية الأرض."
فقد كان في مكنة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم، ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم في الدنيا قبل الآخرة ? وكم كانت البشرية كلها تخسر ? كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير: معنى زهادة الحياة بلا عقيدة , وبشاعتها بلا حرية , وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد! إنه معنى كريم جدًا ومعنى كبير جدًا هذا الذي ربحوه وهم بعد في الأرض، ربحوه وهم يجدون مس النار فتحترق أجسادهم , وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار ? وبعد ذلك لهم عند ربهم حساب , ولأعدائهم الطاغين حساب ..". [2] "
(1) أخرجه مسلم (4/ 2299) .
(2) في ظلال القرآن (6/ 3874) ، سيد قطب، دار الشروق، مصر.