فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 113

بوظائف رسالته حتى الفقرة الأخيرة منها وهي إنذار مَن كذّبه وكذّب بما جاء به عن ربه، ولم يستجب لدعوة الحق الربانية التي حملها للناس نبيًا ورسولًا.

ولما كان من شأن الأكثر من الناس أن يقابلوه بالتكذيب والإعراض والإدبار وأن يوجهوا له الاتهامات والشتائم وأنواع الأذى في حروب دعائية ثم حروب عسكرية.

كان من الحكمة الربانية أن يوجه الله له مع بدايات تكليفه أن يقوم بأداء وظائف رسالته الأمر أن يصبر لأجل مرضاة ربه غير مبال بالناس، ولا مكترث لما يناله من جهتهم من مكروه وأنواع من الأذى المعنوي أو المادي" [1] ."

إن الصبر ينفي من النفس حظوظها وما بها من تعلق بالسفاسف وزخرف دنيوي كما ينفي الكير خبث الحديد، وكما تفتن النيران الذهب فتخلصه من الشوائب، ولذلك تربى المؤمنون في مكة أول ما تربوا في مدارس الصبر، وبه بلغ المهاجرون ما بلغوا من مكانة عظيمة بعد سابقتهم إلى الإسلام.

وجدير بنا أن ننوه إلى أن الصبر لا ينحصر في مواجهة التعذيب والتنكيل، وإنما يحتاج إلى الصبر لأداء الفرائض والعبادات، ولمباشرة وظائف الدعوة وهداية الخلق، ولتحمل سفاهة السفهاء وجهالات الجهال، وللثبات على الحق وعدم التنازل عن جزء منه، وفي مقاومة الإغراءات التي تعرض على أرباب الدعوة لتحويل مسار دعوتهم وتفريغها من محتواها، وكذلك احتاج المؤمنون للصبر حين هاجروا وتركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم سواء في هجرة الحبشة أو الهجرة إلى يثرب (المدينة) .

جاء في تفسير القرطبي عند قوله تعالى:"وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) ". [المدثر/7] :

" قوله تعالى"وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) ": أي ولسيدك ومالكك فاصبر على أداء فرائضه وعبادته، وقال مجاهد: على ما أوذيت، وقال ابن زيد: حملت أمرًا عظيمًا محاربة العرب والعجم فاصبر عليه لله، وقيل:"

(1) معارج التفكر ودقائق التدبر (1/ 91) ، لعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، دار القلم، دمشق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت