الَّلحم عندك لكن هل كنت تحب أن تكون دودة؟ هل تتبعتها مرَّة لتنظر في دودةٍ من نوعٍ آخر ممَّا تراه على الأوراق فتتأمَّل كيف هي صنعتنا وصبغتنا؟ من علَّمها أن تأكل الورق ومن يسَّر لها تحويل غذائها إلى شرنقة تدفن نفسها فيها ثمَّ من علَّمها أن تحوِّل نفسها بأن تنسلخ عدَّة مرَّات من جلدها لننشئها خلقًا آخر يثقب الشَّرنقة ويخرج إلى النُّور؟ سُبحان الله لقد كانت دودة تعيش في الهواء وتتنفَّس منه وتشعر بحرِّ الشَّمس وترى ضوءها ينعكس على صفحات ورقة القطن فما الذي جعلها تدفن نفسها في قبرٍ مُظلمٍ مُوحِشٍ لا أُنس فيه ولا مُتعة فيه ثمَّ تثقبه وقد خرجت فراشة كعروس زيَّنوها لزوجها ليلة القدر؟ انظر كيف أريناك دقَّة الصَّنعة وبراعة الخلق وطلاقة القدرة .. قل سُبحان الله ما أعظمك من إله وانج بنفسك .. وأعد النَّظر في الدُّودة تجد نفسك تشمئز وتنفر منها لكن انظر إليها بعد أن صارت خلقًا آخر فراشة لها أجنحة تطير بها طليقة في ملكوت الله ربِّ كلَّ شيءٍ ومليكه .. أجنحة لو تأمَّلتَ بديع صنعها وكيفيَّة صنعها ومدى جمالها وتناسق ألوانها لرأيتنا رسمنا لك لوحة حيَّة تدلُّك علينا وتقرِّبك إلينا زُلفى .. يا ابن آدم .. أما زلت مُعْرِض ومُتردِّد ولآياتنا تفنِّد؟ قل سُبحان الله وانج بنفسك .. فمن أجلها خلقتُ سماواتي وأرضي .. ومن أجلها خلقتك .. كلُّ شيءٍ سبَّح ويُسبِّح ولا زلتَ أنتَ تفكِّر .. مَنْ أسبِّح؟ كلُّ ذرَّةٍ فيك تُسبِّح .. روحك تُسبِّح .. نفسك تُسبِّح لكن فمك يتكبَّر .. لقد جعلتكَ تُسبِّح رغم أنفك فأنا غنيٌ عنك وعن تسبيحك فلن يزيدني تسبيحك في مُلكي شيئًا ولن ينقصني إعراضك في مُلكي شيئًا .. فأنت تُسبِّح .. رغم أنفك تُسبِّح .. يا ابن آدم .. ارجع إلى جناحٍ خلقته في ظلمةٍ وتأمَّله بعد أن رآه النُّور ورأى النُّور .. ثمَّ اعقل وتأمَّل تعقل كيف تحوَّل التُّراب في جوف الأرض إلى نبات .. ألم يكن التُّراب أملاحًا ومعادن وصخورًا فتَّتُّها بالماء والهواء .. ألا أقدر أن أفتِّتك أنت الآخر؟ لكنَّا نصبر عليك لأنَّا لم نخلق خلقًا مثلك .. سخَّرنا لك كلَّ شيء .. فلم تع من ذلك أي شيء .. الشَّمس والقمر والنُّجوم وما في البرِّ والبحر بل وما في السَّماوات والأرض كلُّها مُسخَّراتٌ لك بأمري. ارجع للتُّراب يا ابن التُّراب وتأمَّل كيف يتحوَّل التُّراب إلى ورقةٍ خضراء تسرُّ النَّاظرين تصير غذاءً لدودة أيضًا خلقناها من ذلك التُّراب .. ليصبح لديك تراب يأكل تراب ليصير في النَّهاية فراشة ذات أجنحة مُلونة ومبرقشة عناصرها التَّراب وأصلها التُّراب .. تطؤها بكلِّ غطرسة واستكبار لتموت ضحيَّة إعراضك عنَّا وتصير بعد أن نحلِّلُها ببكتريا من تراب إلى .. أتدري إلى ماذا تصير؟! إلى تراب .. هذه هي قصة الخلق يا ابن آدم، أرأيت كيف قلبنا لك التُّراب فأريناكه عجبًا عُجاب .. هو نفس التُّراب أريناك إياه ترابًا ثمَّ ورقة خضراء ثمَّ دودة صفراء ثمَّ قبرًا مُظلمًا ثمَّ حشرة جميلة بديعة ثمَّ بكتريا ثمَّ ترابًا ينزل عليه الماء وهو جُزء من التُّراب ليتحوَّل التُّراب إلى أتربة من مخلوقاتٍ شتَّى .. أرأيت بعد هذا لو لم نريك الدُّودة والفراشة أكنت مُصدِّقًا أنَّ الفراشة أصلها دودة والدُّودة جاءت من بيضةٍ جاءت من ذكر وأنثى الفراش وأنَّ هُناك بعثًا ونُشُورًا وإعادة خلق؟ لو قلنا لك بأنَّه كان يمكننا أن نخلق دودة تأكل أوراقًا ثمَّ نحوِّلها إلى فراشةٍ بدلًا من أن تفقس البيضة إلى فراشة مُباشرةً كنت ستقول آهٍ يا ربِّ لو خلقت لنا هذا .. لو لم أنوِّع لك في ألوان الأزهار وأشكال الأسماك والطُّيور أما كنت قائلًا يومًا: آهٍ لو خلق الله زهرة بشكل كذا لكانت أجمل من هذه .. ولو كان عندي طير يُغرِّد بدلًا من هذه الغراب .. آهٍ لو خلق الله لنا كائنات شرسة تخدمنا لنحمي أنفسنا وبيوتنا عند النَّوم .. لماذا لم يخلق الله مخلوقات عملاقة .. أم أنَّه لا يقوى إلا على خلق الإنسان والحيوان والطُّيور؟ فها أنا يا ابن آدم قد علمتُ ما في نفسك قبل أن أخلق نفسك وفرغت كلَّ حججك ووفَّرتُ لك ما كنت ستتمنَّاه لو لم أوفره لك .. ها قد نوَّعت لك في الخلق حتَّى لا تسأل عن شيء لِمَ لَمْ يخلق كذا .. ها قد أريتك الخلق على صورته الأولى لتعلم