فما شاء امرؤٌ مِن تمكُّنٍ في فقه، أو حديث، أو تفسير، أو علم بشريعة، أو آداب، أو شعر، أو أخبار، أو أنساب، أو مفاخر، أو طب، أو تاريخ - إلاَّ هو واجدٌ منه ما يَدْهشه عند تلك العبقرية الفذَّة، ولن يقضي عجبًا من اضْطِلاعها بكلِّ ذلك وهي لم تتجاوز بعدُ الثامنة عشرة من عمرها. ومن هنا نوقن أنَّ حياة أمِّ المؤمنين بَنَتْ مجدًا باذخًا لتاريخ المرأة العلميِّ في الإسلام، بل إن عبقريَّتها وحدها كفيلةٌ بملء تاريخٍ كامل، فلا نجد في عبقريَّات الرجال والنِّساء في تواريخ الأمم ما يداني مكانةَ أمِّ المؤمنين رضي الله عنها).
وعن مدى علمها رضي الله عنها، يقول أحمد أمين (94) : (وكانت كما يفهم من سيرتها، تتوقد ذكاء، تعلمت القراءة وعرفت كثيرًا من الأدب الجاهلي، وكان لها بين الصحابة منزلة عالية يستشيرونها في مسائل دينية وقضائية، وقد مكنها ذكاؤها وخلطتها بالنبي صلى الله عليه وسلم أن تروي عنه كثيرًا، خصوصًا فيما يتعلق بشئونه البيتية التى لم يتيسر للصحابة الإطلاع عليها) .
قال سعيد الأفغانى (95) : (كان الناس يرون علم عائشة قد بلغ ذروة الإحاطة والنضج في كل ما اتصل بالدين من قرآن وحديث وتفسير وفقه) .
كما قال عنها الدكتورعبد الرحمن عميرة (96) : (حاملة لواء العلم والمعرفة، عارفة بأحداث عصرها الذى عاشت فيه، خبيرة بشئون بيتها ومايجب أن تقوم به، وكيف لاتكون ذلك؟ .. وقد نشأت في بيت أبيها الذى كان أعلم الناس بأنساب العرب وأيامهم. وفقهت أمور دينها وتعلمت مبادئ الإسلام في مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم وتلقت أصول الأدب والأخلاق على يد من أدبه ربه فأحسن تأديبه) .
وعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْصَحَ مِنْ عَائِشَةَ) (97) .
عن الشعبي أن عائشة قالت: (رويتُ للبيد نحوًا من ألف بيت) ، وكان الشعبي يذكرها فيتعجب من فقهها وعلمها ثم يقول: (ماظنكم بأدب النبوة) (98) .