فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 94

وأكثرهم كاذبون)، بين - سبحانه - أن الشيطان إنما ينزل على من يُناسِبُه ليُحَصِّلَ به غرضَه، فان الشيطان يقصِدُ الشرَّ، وهو الكذبُ والفجورُ، ولا يقصِدُ الصدقَ والعدلَ، فلا يقْتَرِنُ إلا بمن فيه كذبٌ - إما عمدًا وإما خطًا - وفجورٌ أيضًا، فإن الخطأ في الدين هو من الشيطان أيضًا، كما قال ابن مسعود لما سُئل عن مسألة: أقول فيها برأيٍ، فإن يكن صوابًا فمِن الله، وإن يكن خطًا فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئانِ منه [1] . فالرسول بريءٌ من تَنَزُّل الشيطان عليه في العَمْدِ والخطأِ بخلاف غيرِ الرسولِ فإنه قد يُخطئ، ويكون خطؤُه من الشيطان وإن كان خطؤُه مغفورًا له، فإذا لم يُعرَف له خبرٌ أخبَر به كان فيه مُخطِئًا، ولا أمرٌ أمرَ به كان فيه فاجرًا، عُلم أن الشيطانَ لم ينزِلْ عليه وإنما يَنْزِلُ عليه مَلَكٌ كَريمٌ، ولهذا قال في الآية الأخرى عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (إنه لقولُ رسولٍ كريمٍ * وما هو بقول شاعرٍ قليلًا ما تؤمنون * ولا بقول كاهنٍ قليلًا ما تَذَكَّرون * تنزيلٌ من رب العالمين) انتهى ما ذكره - رحمه الله - وهذا عين ما أورده بحروفه [2] .

وقال مصطفى السباعي - رحمه الله: إن سيرة - محمد صلى الله عليه وسلم - وحدها تعطينا الدليل الذي لا ريب فيه على صدق رسالته ونبوته، إنها سيرة إنسان كامل سار بدعوته من نصر إلى نصر، لا عن طريق الخوارق والمعجزات، بل عن طريق طبيعي بحت، فلقد دعا فأوذي، وبلغ فأصبح له الأنصار، واضطر إلى الحرب فحارب، وكان حكيما، موفقًا في قيادته، فما أزفت ساعة وفاته إلا كانت دعوته تلف الجزيرة العربية كلها عن طريق الإيمان، لا عن طريق القهر والغلبة، ومن عرف ما كان عليه العرب من عادات وعقائد وما قاوموا به دعوته من شتى أنواع المقاومة حتى تدبير اغتياله، ومن عرف عدم التكافؤ بينه وبين محاربيه في كل معركة انتصر فيها، ومن عرف قصر المدة التي استغرقتها رسالته حتى وفاته، وهي ثلاث وعشرون سنة، أيقن أن محمدًا رسول الله حقًا،

(1) رواه أبو داود واللفظ له، والنسائي وهو صحيح - إن شاء الله.

(2) البداية والنهاية (8/ 549 - 557) ، وكلام شيخ الإسلام في الجواب الصحيح (5/ 437 - 448) من الطبعة الثانية لدار العاصمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت