فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 94

شيئًا منها كما حُرِّم في شرع غيره، وحرَّم الخبائث لم يُحِّل منها شيئًا كما استحله غيره، وجمع محاسن ما عليه الأمم، فلا يُذكر في التوراة والانجيل والزَّبور نوعٌ من الخبر عن الله وعن الملائكة وعن اليوم الآخر إلا وقد جاء به على أكمل وجهٍ، وأخْبَر بأشياءَ ليست في الكتبِ، فليس في الكتب إيجابٌ لعدل، وقضاءٌ بفصلٍ، وندبٌ إلى الفضائلِ، وترغيبٌ في الحسناتِ، إلا وقد جاء به وبما هو أحسنُ منه، وإذا نظر اللبيب في العبادات التي شرعها وعبادات غيرِه من الأمم ظهَر [له] فضلها ورُجحانُها، وكذلك في الحدود والأحكام وسائر الشرائع.

وأمته أكمل الأمم في كل فضيلة، وإذا قِيس علمُهم بعلمِ سائرِ الأممِ ظهر فضلُ علمِهم، وإن قِيس دينُهم وعبادتُهم وطاعتُهم لله بغيرهم ظهَر أنهم أديَنُ من غيرهم، وإذا قِيس شجاعتُهم وجهادُهم في سبيلِ الله وصبُرهم على المكارِه في ذاتِ الله ظهَر أنهم أعظمُ جهادًا وأشجعُ قلوبَا، وإذا قيس سخاؤهم وبَذْلُهم وسماحة أنفسهِم بغيرهم ظهر أنهم أسْخَى وأكرمُ من غيرهم. وهذه الفضائلُ به نالوها، ومنه تعَلَّموها، وهو الذي أمَرهم بها، لم يكونوا قبلَه مُتَّبعين لكتاب جاء هو بتكميله كما جاء المسيح - عليه السلام - بتكميل شريعة التوراة، فكانت فضائلُ أتباع المسيح وعُلومُهم بعضُها من التوراة، وبعضها من الزَّبور، وبعضها من النُّبوَّات، وبعضُها من المسيح، وبعضها ممن بعدَه كالحواريين ومن بعد الحواريين، وقد استعانوا بكلام الفلاسفة وغيرهم حتى أدخلوا - لمَّا غيروا دين المسيح - في دين المسيح أمورا من أمور الكفار المناقضة لدين المسيح.

وأما أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فلم يكونوا قبله يقرءون كتابًا، بل عامَّتُهم ما آمنوا بموسى وعيسى وداود والتوراة والإنجيل والزَّبور إلا من جهته، وهو الذي أمَرهم أن يؤمنوا بجميع الأنبياء، ويُقِرُّوا بجميع الكتب المُنَزَّلة من عند الله، ونهاهم عن أن يُفَرقوا بين أحد من الرسل، فقال - تعالى -في الكتاب الذي جاء به: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت