ولحكمة من حكم الله خلقوا هكذا مختلفين. وقد عرض الله عليهم الهدى؛ وتركهم يستبقون. وجعل هذا ابتلاء لهم يقوم عليه جزاؤهم يوم يرجعون إليه، وهم إليه راجعون.
-ويقول أيضًا: إن محاولة التساهل في شيء من شريعة الله، لمثل هذا الغرض، تبدو- في ظل هذا النص الصادق الذي يبدو مصداقه في واقع الحياة البشرية في كل ناحية- محاولة سخيفة؛ لا مبرر لها من الواقع؛ ولا سند لها من إرادة الله؛ ولا قبول لها في حس المسلم، الذي لا يحاول إلا تحقيق مشيئة الله. فكيف وبعض من يسمون أنفسهم"مسلمين"يقولون: إنه لا يجوز تطبيق الشريعة حتى لا نخسر"السائحين"؟!!! أي والله هكذا يقولون!
وبذلك يغلق كل منافذ الشيطان ومداخله إلى النفس المؤمنة؛ ويأخذ الطريق على كل حجة وكل ذريعة لترك شيء من أحكام هذه الشريعة؛ لغرض من الأغراض؛ في ظرف من الظروف. . ثم يقفهم على مفرق الطريق. . فإنه إما حكم الله، وإما حكم الجاهلية. ولا وسط بين الطرفين ولا بديل. . حكم الله يقوم في الأرض، وشريعة الله تنفذ في حياة الناس، ومنهج الله يقود حياة البشر. . أو أنه حكم الجاهلية، وشريعة الهوى، ومنهج العبودية. . فأيهما يريدون؟ (أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون؟) . .
إن معنى الجاهلية يتحدد بهذا النص. فالجاهلية- كما يصفها الله ويحددها قرآنه- هي حكم البشر للبشر، لأنها هي عبودية البشر للبشر، والخروج من عبودية الله، ورفض ألوهية الله، والاعتراف في مقابل هذا الرفض بألوهية بعض البشر وبالعبودية لهم من دون الله. . إن الجاهلية - في ضوء هذا النص- ليست فترة من الزمان؛ ولكنها وضع من الأوضاع. هذا الوضع يوجد بالأمس، ويوجد اليوم، ويوجد غدًا، فيأخذ صفة الجاهلية، المقابلة للإسلام، والمناقضة للإسلام. والناس- في أي زمان وفي أي مكان- إما أنهم يحكمون بشريعة الله- دون فتنة عن بعض منها- ويقبلونها ويسلمون بها تسليمًا، فهم إذن في دين الله. وإما إنهم يحكمون بشريعة من صنع البشر- في أي صورة من الصور- ويقبلونها فهم إذن في جاهلية؛ وهم في دين من يحكمون بشريعته، وليسوا بحال في دين الله. والذي لا يبتغي حكم الله يبتغي حكم الجاهلية؛ والذي يرفض شريعة الله يقبل شريعة الجاهلية، ويعيش في الجاهلية. وهذا مفرق الطريق، يقف الله الناس عليه. وهم بعد ذلك بالخيار!
-ويزيد - رحمه الله - قائلًا: ما الذي يستطيع أن يقوله من ينحي شريعة الله عن حكم الحياة، ويستبدل بها شريعة الجاهلية. وحكم الجاهلية؛ ويجعل هواه هو أو هوى شعب من الشعوب، أو هوى جيل من أجيال البشر، فوق حكم الله، وفوق شريعة الله؟ ما الذي يستطيع أن يقوله. . وبخاصة إذا كان يدعي أنه من