(كانشقاق القمر وغيرها) ، ورغم ما للقرآن من بلاغةٍ وقوةٍ في البيان، ورغم عَجْز السَحَرة والمشركين في أن يَأتوا بمِثل ما أتى به - عُلِمَ أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسولٌ من عند اللهِ يُوحَى إليه.
الآية 3: {إِنَّ رَبَّكُمُ} أيها الناس هو {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} {ثُمَّ اسْتَوَى} - أي عَلا وارتفع - {عَلَى الْعَرْشِ} استواءً يَليقُ بجلاله وعظمته، {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} : أي يُدَبِّر أمورَ خلقه، ولا يُعارضه في قضائه أحد، {مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} : أي لا يَشفع عنده شافعٌ يوم القيامة إلا مِن بعد أن يَأذن له بالشفاعة (وذلك لِعَظَمته وعزة سلطانه) ، فكيف إذًا تعبدونَ - أيها المشركون - هذه الأصنام وتنتظرون شفاعتها لكم؟!
{ذَلِكُمُ} أي المُتصِّف بهذه الصفات - الخَلق والتدبير والعُلُوّ والعظمة - هو {اللَّهُ رَبُّكُمْ} المستحق وحده للعبادة {فَاعْبُدُوهُ} ولا تُشرِكوا به شيئًا من مخلوقاته، {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} : يعني أفلا تتعظون وتتفكَّرونَ فيما ينفعكم؟
الآية 4: {إِلَيْهِ} سبحانه {مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} يوم القيامة للحساب والجزاء {وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا} أي: وبهذا وَعَدَكُم اللهُ وعدًا حقًا، لابد مِن إتمامه، إذ {إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ} : أي هو وحده الذي يستطيعُ أن يَبدأ إيجاد الخلق من العدم {ثُمَّ يُعِيدُهُ} - كهيئته الأولى - وذلك بعد الموت، (فالقادرُ على ابتداء الخلق: قادرٌ على إعادته) .
? ثم وَضَّحَ سبحانه الحِكمة من البَعث يوم القيامة، فقال: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ} أي لِيَجزيهم - على إيمانهم وأعمالهم الصالحة - جزاءً قد بَيَّنَهُ سبحانه لعباده، وأخبَرَهم أنه قد أَخفَى لهم من النعيم ما بِهِ تقِرُّ أعينهم وتَسعَدُ قلوبهم، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ} أي شرابٌ مِن ماءٍ شديد الحرارة، يَشوي الوجوه ويُقَطِّع الأمعاء، {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ} مِن مُختلَف أصناف العذاب، جزاءً {بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} (وهذا من تمام عَدْلِهِ سبحانه، إذ إنه لو تَرَكَ الناسَ بغير جزاء، لاَستوى العاصي والمُطيع، وربما كان بعضُ العاصين - في هذه الدنيا - أحسنَ حالًا من المُطيعين، فكانَ من الحِكمة أن يَلقى كُلُّ عاملٍ جزاءَ عمله) .