الصفحة 40 من 54

الدَّارِيِّ - رضي الله عنه- قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:"لَيَبْلُغَنَّ هَذا الأمرُ ما بَلَغَ الليلُ والنَّهارُ، ولا يَتْركُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ ولا وبَرٍ إلاَّ أدخَلَهُ اللهُ هذا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أوبِذُلِّ ذَليلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بهِ الإسلامَ، وذُلاًّ يُذِلُّ اللهُ ... بهِ الكفرَ" [1] .

إذا أردنا أن نصلح المجتمع فإن علينا أن نعلم أن أي واقع لن يخلومن عناصر إيجابية وأخرى سلبية، ومهمة المصلح لا تبدأ من الصفر بل هي تنبيه الناس إلى الإيجابيات الموجودة بينهم وتقويتها، وتقليل السلبيات ومحاصرتها، أي أن نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم، والقرآن الكريم له منهج رائع وهوأنه يبدأ بذكر الإيجابيات ويؤخر ذكر السلبيات حتى وإن كانت الإيجابيات قليلة والسلبيات هي الغالبة، فحين تحدث عن أهل الكتاب ونحن نعلم أن أكثرهم ضلوا الطريق، إلا أنه بدأ بذكر القلة التي ظلت ثابتةً على إيمانها فقال: {منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} [2] ، وحين تحدث عن معاملاتهم بدأ بالإيجابي وهومن {إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} [3] ، وبعدها ذكر الفريق الثاني الذي لا يحافظ على الأمانة وهومن إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائمًا رغم أنه الفريق الأكثر عددًا.

بالعودة إلى منهج القرآن في التعامل مع حادثة الإفك، وهي قضية حساسة نواجه مثلها كثيرًا في حياتنا، فحين نتأمل سورة النور نجد أن معالجة القرآن تركزت في المقام الأول على تفاعل الناس مع الإشاعة وليس على مضمون الإشاعة فلم يكن الجزء الأكبر من المعالجة القرآنية هونفي وقوع الحادثة ونحن نعلم يقينًا أنها إفك وافتراء على أمنا الطاهرة المطهرة بنت الصديق رضي الله عنها. لكن أولوية القرآن كانت هي تحذير الناس من مجرد الخوض في مثل هذه الشائعات مستقبلًا: {إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم} [4] ، {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدًا} [5] . وذلك لأن إشاعة الحديث عن الفاحشة هوأخطر من الفاحشة ذاتها على افتراض أنها وقعت، فلوضعفت نفس إنسان وعصى الله في السر فإنه يبوء بإثمه لوحده بينما تبقى الصورة العامة للمجتمع ناصعةً مشرقةً باعثةً للأمل، أما تلقي الناس لمثل هذه الأحاديث بألسنتهم وتداولها في مجالسهم فإن ضرره يطال المجتمع بأسره وذلك لأنه يهيئ الأجواء للمزيد من الانحرافات، إذ تتعزز الأخيلة والخواطر المريضة التي تزين لصاحبها البحث عن الحرام، كما أن هذا الحديث يعدم ثقة الناس بعضهم ببعض،

(1) أخرجه أحمد

(2) آل عمران: 110

(3) آل عمران: 75

(4) النور: 15

(5) النور: 17

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت