ـ القرآن يعبر عن عدم الإيمان بالآخرة بعدم وجود الخوف منها وعدم رجاءها: (( كَلَّا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخرة ) ) [1] ، (( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ) ) [2] ، (( بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ) ) [3] ، (( إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا ) ) [4] ، (( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ، أُولَئِكَ مَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ) [5] ، (( وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ ) ) [6] ، وفي تفسير بحر العلوم: (( {إِنَّ في ذَلِكَ لآيَةً} يعني: في الذي أخبرتك عن الأمم الخالية لعبرة، {لّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخرة} ويقال: في عذابهم موعظة، وعبرة بالغة لمن آمن بالله واليوم الآخر، ويقال: فيه عبرة لمن أيقن بالنار وأقرّ بالبعث ) ) [7] ، وفي تفسير النسفي: (( {إِنَّ في ذَلِكَ} فيما قص الله من قصص الأمم الهالكة {لآيَةً} لعبرة {لّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخرة} أي اعتقد صحته ووجوده ) ) [8] ، فالقرآن يبين أن مسألة الإيمان بالآخرة هي مسألة أن الإنسان يريد الشيء أو يرغبه أو يرجوه أو أنه لا يريد الشيء أو لا يرغبه أو لا يرجوه، وليست فقط مسألة اقتناع نظري أو عدم اقتناع نظري، فقد يقتنع الإنسان بالأمر لكنه لا يريد الشيء أو لا يرغبه أو لا يرجوه ولا يعجبه ولا يستسيغه.
ـ ويبين القرآن أن المؤمنين هم الذين يخافون الآخرة ويخافون من الله تعالى:
ـ ففي أيسر التفاسير: (( {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} يوم القيامة وهم مذنبون، وليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع، فهؤلاء ينفعهم إنذارك بالقرآن أما الكفرة المكذبون فهم كالأموات لا يستجيبون وهذا كقوله تعالى من سورة ق {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} ) ) [9] ، (( إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ) ) [10] ، (( إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ) ) [11] ، (( يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) ) [12] ، (( يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) ) [13] ، وفي تفسير ابن كثير: (( {قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} أي: قد كنا في الدار الدنيا ونحن بين أهلنا خائفين من ربنا مشفقين من عذابه وعقابه، {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} أي: فتصدق علينا وأجارنا مما نخاف ) ) [14] ، فالآخرة أمر مرعب مخيف يجعل الإنسان يخاف من مهابتها، كما أنه يخاف من الخلود في النار إذا لم يمت على الإيمان، ويخاف من عقاب الذنوب فكل إنسان يقع في المعاصي إلا الرسل فهم معصومون.
ـ معني أن شيئا ما لا تحبه ولا ترجوه ولا تخافه إذن هو في نظرك أمر غير مهم، والأمر الغير مهم أمر غير خطير تأخذه علي سبيل الهزل وليس علي سبيل الجد، والله يقول: (( إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ) ) [15] ، فإن الآخرة أمر خطير وقول فصل وأمر لا يحتمل التراخي والهزل.
ـ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( فالإيمان في القلب لا يكون إيمانا بمجرد تصديق ليس معه عمل القلب وموجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك ) ) [16] ، ويقول أيضا: (( وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ التَّصْدِيقِ شَيْءٌ مِنْ حُبِّ اللَّهِ وَخَشْيَةِ اللَّهِ وَإِلَّا فَالتَّصْدِيقُ الَّذِي لَا يَكُونُ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ إيمَانًا أَلْبَتَّةَ بَلْ هُوَ كَتَصْدِيقِ فِرْعَوْنَ وَالْيَهُودِ وَإِبْلِيسَ ) ) [17] ، ويقول أيضا: (( ومحبة الله هي أصل الإيمان الذي هو عمل القلب وبكمالها يكمل ) ) [18] ، ويقول شيخ الإسلام ابن القيم: (( فمن لا محبة له لا إسلام له البتة بل هي حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله فإن الإله هو الذي يأله العباد حبا وذلا وخوفا ورجاء وتعظيما وطاعة له بمعنى مألوه وهو الذي تألهه القلوب أي تحبه وتذل له ) ) [19] .
(1) المدثر: 53
(2) النازعات: 45
(3) الفرقان: من الآية 40
(4) النبأ: 27
(5) يونس: 7، 8
(6) العنكبوت: من الآية 36
(7) تفسير بحر العلوم للسمرقندي (ج: 2، ص: 355)
(8) تفسير النسفي (ج: 2، ص: 45)
(9) أيسر التفاسير للجزائري (2/ 64)
(10) يس: 11
(11) فاطر: 18
(12) الشورى: 18
(13) النور: من الآية 37
(14) تفسير ابن كثير (ج: 7، ص: 435)
(15) الطارق: 13، 14
(16) مجموع الفتاوى (ج: 7، ص: 529)
(17) مجموع فتاوى ابن تيمية (ج: 2، ص: 123)
(18) الاستقامة ـ لشيخ الإسلام ابن تيمية (ج: 1، ص: 260)
(19) مدارج السالكين (ج 3، ص: 26)