وآيات أخرى سبق الاستدلال بها في موضوع العقيدة، وهي تحمل أيضًا ارشادات إسلامية بشأن علاج وضبط الصراع الاجتماعي، هذه الآيات هي آيات سورة: الكهف: (واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما) إلخ ... يقص القرآن بهذه الآيات قصة أخرى على المسلمين، ليعلمهم كيف لا يكون تقرير حق الملكية الخاصة، وحق استثمارها لصالح صاحبها، كيف لا يكون سببا في الصراع الاجتماعي. والآيات هنا صريحة في الربط بين ظاهرة الصراع الاجتماعي وظاهرة وجود من يملك، ومن لا يملك، ولكن يوجد في الآيات معنى دقيق جدًا تلزم الإشارة إليه، وهذا المعنى هو أن تحليل ظاهرة الصراع الاجتماعي وظاهرة وجود من يملك، ومن لا يملك، وفق التصور الإسلامي كما تشير إليه هذه الآيات، هذا التحليل لا يقوم على أن مجرد وجود ظاهرة من يملك، ومن لا يملك، هي السبب في وجود الظاهرة الأخرى وهي الصراع الاجتماعي، وإنما ظاهرة الصراع الاجتماعي ترتبط وتتعلق وتدور مع ظاهرة أخرى، وهي كيفية التصرف واستخدام المال، ويجعل الإسلام هنا التصرفات والاستخدامات المعنوية للمال تساوي التصرفات المادية. إن الرجل الذي تحكي الآيات قصته على أنه ظالم كان سوء تصرفه واستخدامه لماله من قبيل الإعمال المعنوية، ذلك أنه قال لصاحبه: أنا أكثر منك مالًا ثم دخل جنته مغرورًا ظالمًا وهو يعتقد أن ماله لكثرته لن يفنى أبدًا.
إن المنهج الإسلامي الذي يربط ظاهرة الصراع الاجتماعي بظاهرة سوء استخدام الملكية، وليس بظاهرة وجود الملكية الخاصة، هذا المنهج يتفرد به الإسلام، ذلك أن كل الذين تعرضوا لتحليل ظاهرة الصراع الاجتماعي أو كما يسمونها ظاهرة الصراع الطبقي، هؤلاء كلهم ربطوا بين هذه الظاهرة وبين ظاهرة الملكية الخاصة نفسها، ولذلك كان علاجهم لها يتجه إلى المطالبة بإلغاء حق الملكية الخاصة كوسيلة، للقضاء على الصراع الطبقي، وهي المجتمعات التي تدعي الآن أنها تطبق الماركسية. هذه المجتمعات تعاني الآن من أعنف صور الصراع الاجتماعي، أو بمصطلحهم الصراع الطبقي، ذلك لأن تحليل فلاسفتهم كان تحليلًا خاطئًا وكان مغرضا، وكان تحليلًا يقوم على الحقد وحب الانتقام، وليس تحليلًا يستهدف بناء مجتمعات، وهكذا فإن الالتزام بالتحليل الإسلامي الذي يربط ظاهرة الصراع الاجتماعي ـ وليس الصراع الطبقي ـ بظاهرة سوء استخدام الملكية الخاصة ـ وليس بظاهرة الملكية الخاصة نفسها ـ هذا التحليل يستهدف بناء مجتمع، وليس تخريب مجتمع قائم.