الصفحة 2 من 13

بسم لله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

آية في كتاب الله تعالى لم تتجاوز حروفها خمسة وعشرين حرفًا تُوقِف المرءَ على الحقيقة الكبرى التي جاءت بها الرسالة المحمدية في رسم بلاغي فريد، ونسق بياني لا نظير له، وبحر من المعاني لا يحاط به، لتكون هذه الأحرف المحدودة والكلمات المعدودة بابًا مشرعًا وبرهانًا مقنعًا لمن أراد الولوج من خلاله إلى ذلك الأفق الفسيح والفضاء الوسيع حيث سكنُ القلوب، وسكينةُ النفوس، وانشراح الصدور، واستقرار الفطرة، وتناسق الحياة {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} الإسراء9.

فالبشر كلهم يبحثون عن الرحمة ويتلمسون أسبابها التي تضم بين طياتها السكينة، والأمان، والاطمئنان، والاستقرار، والعدل، وصيانة الحقوق، وضربوا من أجل ذلك في كل واد هائمين على وجوههم، فكلما ظفروا بقطعة رحمة -ولو ظنا أو وهما- في تجربة أو عرفٍ أو قانون أو سياسة احتضنوها وفخموها ولاذوا بها وعدّوها رأس النجاة وعنوان الفخر ويتيمة الدهر، وما أن يعيشوا في كنفها الموهوم شيئا من الوقت ويتهيئوا لاستقبال هبات نسيمها حتى تكشف لهم عن حقيقتها ويكتشفوا هم مخبوءها فتلفحهم بجحيمها ويدركوا أن الوهم قد كان غشَّى أبصارهم وغطى قلوبهم فما زالوا في العذاب والضنك قائمين، فتراهم ينقبون عن غيرها وينتقلون إلى سواها راجين أن يسوقهم السبيل المضني إلى مستقر الرحمة وكنف الراحة ومأوى الأمن فمن أراد الله به خيرًا أدركها ومن كتبت عليه الشقاوة قضى عمره في الضنك والضيق والعذاب ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون {وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} الشورى8.

ولا أدل على ذلك في عصرنا الحاضر - (المحتَضر) لا المُتَحَضِّر- من كثرة المنظمات والمؤسسات والهيئات التي تزعم أنها تعنى بحقوق الإنسان، والتي تحاول من خلالها توفير الحد الأدنى من (الرحمة) التي تنتظم بها حياتهم وسط موجات العذاب وخضخضات الزلزلة التي تعصف بهم وتنغص كل لحظة من لحظات حياتهم، وكل شعبة من شعبها.

إن الإنسان بفطرته وصفاته وسماته وتركيبته قد جبله الله خالقه عز وجل على حالات متداخلة جلية وخفية، ومشاعر وأحاسيس متنوعة ومتقلبة، وإدراكات متعددة ومتفاوتة، ورغبات متداخلة ومتعارضة، ويحتاج في حياته كلها أن يعيش مع كل هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت