قال القرطبي رحمه الله: (أي؛ لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتل الأعداء، لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بناه أرباب الديانات من مواضع العبادات، لكنه دفع بأن أوجب القتال؛ ليتفرغ أهل الدين للعبادة، فالجهاد أمر متقدم في الأمم وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات) .
بعض المخالفات التي وقعت زمن النبي صلى الله عليه وسلم:
وقد حدث على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعض المخالفات ممن خرج معه للجهاد، سواء من الأمراء أو الجند - على جلالة قدرهم وعلو منزلتهم - وما أوقف النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد ليستكمل تربية هؤلاء المخالفين، وما طردهم أيضًا من جيشه، بل أمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر بحسب حالهم وما فعلوه، وهذا معلوم مستفيض لمن قرأ سيرته وسأذكر طرفًا من ذلك للتذكير:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى بني خزيمة، فلم يحسنوا أن يقولوا؛ أسلمنا، فقالوا:"صبأنا، صبأنا"، فجعل خالد يقتل ويأسر ودفع إلى كل رجل منا أسيره، فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره، فقلت: (والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره) ، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد) - مرتين - [1] .
فقد ارتكب خالد رضي الله عنه مخالفة، حيث قتل هؤلاء القوم وقد أسلموا، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث دياتهم وما تلف من أموالهم، حتى ميلغة الكلب.
والمقصود؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم ما عزل خالدًا ولا أخرجه من الجيش ولا أوقف الجهاد لهذا الفعل، بل فعل ما يجب عليه شرعًا، بدفع دياتهم، وأنكر على خالد بحسب ما فعل [2] .
وعن علي رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية وأمَّر عليهم رجلًا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم، وقال: أليس قد أمر النبي أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبًا وأوقدتم نارًا ثم دخلتم فيها، فجمعوا حطبًا فأوقدوا، فلما هموا بالدخول فقام ينظر بعضهم إلى بعض، قال بعضهم: إنما تبعنا النبي صلى الله عليه وسلم فرارًا من النار، أفندخلها؟! فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف) [3] .
(1) رواه البخاري في باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد، ورواه أيضا أحمد وابن حبان والنسائي والبيهقي.
(2) راجع تفسير ابن كثير: 1/ 536.
(3) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد وأبو يعلى.