معاملته، وحيث لم يكن له التفات آخر إلى غير صنعته وحصر فكره وظاهره وباطنه عليها؛ فاق فيها أبناء جنسه، وحصل له رزق يكفيه ويكفي عائلته، ويرد الفضل منه على والديه وأقاربه؛ فاغتبط والده بنجاحه.
وأما جعفر؛ فإنه حافظ على وصية أبيه ولازم مخدومه ما شاء الله أن يلازمه، وصار عنده أمينًا معتبرًا، واحتفظ به لعلمه أنه لو ذهب عنه لتسابق إليه الناس، لما علموه من نصحه وقيامه بواجبه، فنجح في مقصوده، ولكن مثل هذا يأتيه النقص من جهتين إذ فرضنا كماله في مهنته:
أولًا: أن الخدمة نهايتها أن تكون كافية لمعاش الإنسان، ليس فيها زيادة إلا إن وُفِّقَ للاقتصاد في النفقة؛ فربما زاد شيئًا يسيرًا.
والنقص الثاني: أن الخادم المستعد للخدمة الذي لا عمل له ولا شغل له سواها يبقى فكره خامدًا وقريحته جامدة ومعارفه ضئيلة؛ لأنه قد اعتاد أن يكون مُدَبَّرًا لا مُدَبِّرًا، ومأمورًا لا آمرًا، وإرادته وأعماله تبع لإرادة غيره وعمله، رقيقًا لا حرًّا، ومقلدًا لا مستقلًّا.
وهذا نقص، وأي نقص؟! فإنه إذا تمرن على الخدمة ولازمها
مدة طويلة تعذر عليه بعد ذلك عمل غيرها، بل لا يصير له رغبة في سواها، وغايته أن يكون له شرف كشرف الرقيق، ومع ذلك؛
فالخدمة والتعيش خير من سؤال الناس والذل لهم، ولكل مقام مقال.
وأما محمد؛ فإنه كأخويه حفظ وصية أبيه، ثم جعل يكسب شيئًا فشيئًا، لا يحتقر القليل ولا يأنف من الشيء الحقير، وترقى شيئًا فشيئًا؛