تغيير وجهة الدين بالنكوص إلى الداخل ثم تنافسًا واقتتالًا بُرِّر بعناوين دينية بدعية، فصارت صورة الرجل الصالح صورة جديدة لو رآها الفاروق لعاقبها عقاب المبتدع العاصي، فكان أن حل"الكسل"فلما تمادى زمانه صار"عجزًا"قاهرًا يملكنا رغم أنوفنا، كمرض العشق يبدأ بإرادة وينتهي بمرض قاهر غالب عاى صاحبه كالرعاش والجنون.
خلال رحلة الكسل إلى العجز لم يكن خصومنا سكونًا ولا نيامًا، بل كانوا يعانون فقرًا؛ أي تحديًا، فانطلقوا غزوًا واكتشافًا، فغنيمة وحضارة، حتى وصلنا جميعًا إلى هذا الحال الذي يقال فيه: وجوده يغني عن تفسيره.
مشكلة الفقيه اليوم عدم ادراكه وجهة الدين الكلي، هذا إذا كان الفقيه يحمل هم الاصلاح وهم قلة، ذلك لأن جموع الخريجين لمعاهد العلم لهم وجهة كسب الرزق بدين الله وعلمهم كما غيرهم من أصحاب الفنون الأخرى، ووقوف هذا المصلح على الفروع اصلاحًا واجتهادًا تحت دعوى التجديد، والتنبيه على البدع النسكية والأخطاء العلمية، ويزعم هؤلاء أن هذا هو طريق الخلاص وبلوغ العزة الموعودة، وهم بهذا يتخوفون وراء كلمات كانت تقال في بيئة الاسلام حماية له من الوهن الداخلي، ونحن اليوم نفقد هذه البيئة أصلًا، ولذلك من غير تحويل وجهة الحركة، ومن غير تغيير البيئة فإن العجز سيزداد لأن الكسل مازال هو شعار أهل الاسلام.
هذا الحديث الشريف يحقق للمهتدي هذا التحويل والتغيير، وهو حديث جامع للهداية في هذا الباب، اذ يتوجه إلى الارادة فيهديها ويقوم أمرها، ويذهب عنها أمراضها ومعوقاتها، وإن الناظر فيه ليدرك أمرين اثنين:-
أولاهما:- الشهادة أن محمدًا هو رسول الله حقًا وصدقًا، وأن كل كلمة قالها تشهد له بهذه الشهادة، فإن المرء يقرأ ويعلم ويبصر العالم قديمه وحديثه، فلا يجد قط نورًا كنور محمد صلى الله عليه وسلم، ولا هديًا كهديه، وإن ما فينا من شرور وضلالات، وهزيمة وخزي وعر إنما كان بسبب آراء الرجال ومذاهب الناس والتنكب عن هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأن ما نراه من زاعمي الفكر الاسلامي الذين يفتخرون بترديد أسماء الأغيار وحفظ مقولاتهم والانكباب على كتبهم إنما هو جهل بما أتى به الرسول، وإن ما آتاهم إنما هو لعي عقولهم التي لا تفرق بين الدر والبعر، ولا بين الجواهر والخزف، وأما زعم الكفرة من العلمانيين أن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم تقليد وتقييد للعقول فإن الدافع لذلك هو كراهيتهم أن يكونوا عبيدًا لله، فصاروا عبيدًا لغيره مأسورين لهواه.
ثانيهما:- وجوب الصلاة والسلام عليه، فإنه صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة، فهو الذي لم يأل جهدًا أو طاقة في تعليم أمته كل الخير، وتجنيبها كل الشر كما سماه الله تعالى (( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيزًا عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) )،فاللهم اجز عنا نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم خير ما جزيت نبيًا عن أمته خيرًا، واللهم احشرنا يوم القيامة تحت لوائه، لواء الحمد ... آمين آمين.
(( المؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير ) )
تصور الكلمات على معنى صحيح هو مفتاح ادراك العقول، ذلك بأن الكلمات دلالة على وجود مادي أو معنوي، وكلما تعددت المعاني في اللفظ الواحد كلما كان هذا اللفظ خطرًا على صاحبه، فهو كما يحمل قوة بيان أكثر من غيره إلا أنه