الصفحة 15 من 34

ج. ولو كان الإيمان محصورا في دائرة التصديق لما جهل الصحابة - رضوان الله عليهم - معناه لأن رسوخ قدمهم و علو كعبهم في اللغة يحيل ذلك, ولكن لما انتقل الإيمان من المعنى اللغوي المعروف عند العرب و هو التصديق إلى معنى شرعي وهو قول و عمل واعتقاد احتاجوا إلى سؤال الشرع و التعلم منه و التلقي من معينه وفي حديث وفد عبد القيس خير شاهد , فقد سألهم النبي صلى الله عليه و سلم: (أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟) قالوا: (الله و رسوله أعلم) ... وفي مسند أحمد من رواية عمرو بن عنبسة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه و سلم: (أي الإسلام أفضل؟) قال: (الإيمان) فقال الرجل: (وما الإيمان؟) .

د. ويخالف توصيفهم السابق لمسمى الإيمان و للأعمال ما قامت عليه الأدلة القاطعة و البراهين الساطعة من أن هناك أعمالا تناقض الإيمان و تجافيه وليس فقط تنقصه , وقد قدمت لك شيئا عن هذا في مقدمة هذا البحث عند حديثي عن الذنوب المكفرة , ومن هنا فقول الحزب: (فأعمال الإثم و المعاصي تضعفه - أي الإيمان -) على هذا الإطلاق غير سديد.

هـ. أما محاولة الحزب للتوفيق بين تعريفه للإيمان و الذي وافق فيه المرجئة وبين تعريف أهل السنة, و تعليل ذلك بكلام متهافت حاصله أن هناك تلازما بين الإيمان و العمل يفيد أن أعمال البر تقوي الإيمان و أعمال الإثم تضعفه , فإنها محاولة مضحكة (لو قالها صبيان يسيل مخاطهم ليئس من فلاحهم) [1] فأين الثرى من الثريا؟ و أين الظلام من النور؟ وأين الظل من الحرور؟ فالفرق بين التعريفين كبير و يعلم ذلك طلبة العلم المبتدئون قبل المعرقين.

فرق مبين واضح لكنه ... يخفى على العوران و العميان

وكذا على أهل الجهالة و الذي ... في ربقة التقليد كالحيران

ولينظر القارئ الكريم إلى تعريف أهل السنة للإيمان باحثا عن معناه ثم ليقارنه بما قدمه لنا الحزب في هذا المجال, أيمكن المساواة بينهما؟ أم أن أمام ذلك مفاوز و جبال تجاوزها الحزب نصرة لرأيه ولو بالباطل؟ فكان حاله و حال هذا التعريف كما قال الشاعر:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبا خاليا فتمكنا

(1) من عبارات ابن حزم في الفصل وهو يناقش مقالات المرجئة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت