رابعًا:
من أهداف بحثي هذا كما أسلفته هو أن أدفع عن نفسي تهمًا باطلة متعلقة بموضوع رأيي في العلماء، فمن متهم لي بالباطل أني أكفرهم ومن زاعم أني أشتمهم وأصفهم بما لا يجوز شرعًا، ومن زاعم بأني أقع في لحوم العلماء بغير حق (2) .. فهذا البحث يبين سقوط كل ذلك، وأني لم أزد على ما قاله فيهم رؤوس الدعوة والجهاد والإصلاح من أهل ديرتهم .. بل لم أبلغ ما قالوه فيهم كما ذكر في الوثائق التي أصدروها بأنفسهم.
الأمر الآخر أني في ثنايا بحثي هذا أدفع اعتقادا خاطئا لدى الكثيرين من أهل الدعوة والإصلاح والجهاد في الجزيرة، ورأيهم في علماء السوء وذلك يدفع شبهتين ..
فقد قال بعض الناس أن رؤوس الجهاد والإصلاح في الجزيرة - ومنهم الشيخ أسامة والفقيه - ورؤوس الدعوة والعلماء لا يرون ما نرى في هؤلاء العلماء .. وبهذه الوثائق تبين خطأ ذلك ويتبين بجلاء رأيهم فيهم.
وثمة بعض من قال وعاب على أهل الصحوة والدعوة والإصلاح والجهاد، من أمثال الشيخ أسامة والفقيه وغيرهم أنهم لم يتكلموا في باطل علماء السلطان في بلادهم .. ويتضح في ثنايا هذا البحث عكس ذلك، فقد بينوا وأعلنوا صراحة على الملأ رأيهم ومواقفهم .. (3) .
خامسا:
من الضروري جدا أن أثبت في هذه الملاحظات إبراء للذمة، بأني رغم كل قناعتي بأن هؤلاء العلماء أمثال ابن باز وابن عثيمين، قد خانوا الله ورسوله وأمانة العلم وخانوا الأمة .. وأنهم مرتكبون لكبيرة من أعظم الكبائر وفسق من أشنع الفسوق، بل إن كثيرا من فتاواهم ومواقفهم هي أعمال نفاق يصل بعضها لأن تكون عملا من أعمال الكفر، كما نقل عن شيخ الصحوة في الجزيرة حفظه الله حيث قال: (هذه أعمال ردة ولكن نتأول لهم الأعذار ... ) إلى آخر ما أعلنت في أكثر من مجال.
إلا أني ورغم ذلك لم أعتقد بكفرهم وخروجهم من ملة الإسلام مطلقا ولا قلت ذلك، بل أعلنت خطأ من ذهب هذا المذهب في اعتقادي، ولقد رددت رأيهم، رغم أن فيمن يحمل هذا الرأي أخوة وطلاب علم ومجاهدون أخيار، وسبب عدم اعتقادي بكفرهم هو قناعتي - بعد أن سألت عددا من أهل العلم بهذه المسألة - أنه يدفع عنهم حكم الكفر العيني، رغم ارتكابهم هذه الأعمال أمران .. (وأقصد عمن كان في مثل حال ابن باز وابن عثيمين من العلم والنسك والزهد والسيرة الحسنة، فيما سوى وقوفه مع حكام الردة وحلفائهم من اليهود والنصارى) ، يدفع عنهم حكم الخروج من الملة أمران:
الأول: ثبوت قرائن الإيمان وصحة المعتقد، والدفع عنه وعن عقيدة أهل السنة، والبلاء فيها ونشرها ونشر العلم، والدعوة لدين الله .. وحسن السيرة والعبادة - كما روي والله أعلم -
الثاني: وجود تأول لهم من أن ذلك لدفع الفتنة والمفسدة، وخشية اقتتال الناس وتبعات خروجهم على ولي الأمر وذهاب الأمن .. فهذا التأول مع استصحاب تأخر الزمان، وشيوع الفتن وضعف أهل الحق والجهاد وغلبة أهل الباطل، وتيه الصحوة بمدارسها المختلفة، وإن كان تأولا فاسدا، إلا أنه يدفع عنهم - حسب قناعتي بما قال من أثق به من أهل العلم وما توصلت إليه بما يسر الله - حكم الكفر، حسب مقاييس أهل السنة، وموانع التكفير عندهم .. فهم عندي متأولون، ارتكبوا أعمال الكفر والنفاق، ولا يكفرون لهذا المانع وتلك القرينة، والله أعلم.
رغم أني اقتنعت بما قاله لي أحد أبرز علماء الجهاد في هذا العصر، قال لي أنه لا يكفرهم لهذين السببين المانعين، ولا يعترض على من كفرهم بدليله لأنها أدلة قوية .. لكنه رأى خطأ من كفرهم لعدم استصحاب هذه الموانع. وبهذا نكون - ولله الحمد - وسطا في هذه المسألة، بين من قدسهم وبين من كفرهم، فلسنا من هؤلاء ولا من أولئك، وقد بسطنا قناعتنا بما يكفي للإيضاح، والحمد لله.
سادسا:
أنبه الشباب المجاهد من إخواني، بعد ذكر رأيي في موضوع التكفير لأمثال هؤلاء .. إلى أنه ربما كان في علماء السلطان من لا توجد لديه تلك القرائن الحسنة والتأولات ذات الوجه، ممن قد يبدو أنهم يحكم لهم بالكفر. إلا أني أنبه جدا لسد هذا الباب، وتجنب هذا المنزلق لأوجه عديدة، فأولا لا يمكن إطلاق حكم كفر المعين حسب ما فهمت من أقوال أهل العلم، إلا بعد إقامة حجة وتبين أحوال وإسقاط تأولات. وهذا لا يكون إلا لقادر على ذلك، ولمن كان في مرتبة القضاء في مثل هذه المسائل، ولا أعتقد أنا في هذه المنزلة والحال، هذا من جهة.
أما إبراز شناعة العمل وكونه نفاق وضلالة وموالاة لأعداء الله، ومداهنة للسلطان، فهذا واقع أصبح يراه الأعمى ويسمعه الأصم، ولا مجادلة فيه. وما يهمنا هو إسقاط شرعية هؤلاء العلماء العملاء، وصولا لإسقاط شرعية حكامهم ومنابذتهم، ومنابذة أوليائهم المحتلين من اليهود والنصارى بالسلاح، وليس من لوازم ذلك التكفير.
الأمر الآخر؛ أن تهمة التكفير قد أصبحت حتى في بعض حالات الحق، بابا للصد عن سبيل الله وقطع الطريق على الجهاد والمجاهدين، فالمصلحة تقتضي بعض الحيطة لديننا، فلا ننزلق في هذه المتاهة والله أعلم، مع ما تعلمون من خطورة هذا المنزلق لو أخطأ المرء فيه .. ويكفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) (4) .
سابعا: