النبوغ ,ويذوى صاحبه كما تذوى الشجرة الخضراء اذا انقطع عنها الماء.
وحال ثانية يكون الانسان فيها فقيرا , ولكنه يقول خفيف المؤونة , وأما خاطره فمستقر مشرق , ثابت منجمع , ولنسم هذا بالفقر البيض كما يقال , وهو نعمة بالنظر الى طالب العلم في أول حيا ته , حتى لا تشده الدنيا الى مشاغلها وغمراتها ومفاتنها , فان التقلل من الدنيا أمكن لحفظ العلم.
56 ـــ وهذا النوع يشهد له خبر فقر أبى هريرة , الذى يأتى فى (الجانب الرابع) ص 69 ـــ 70,فقد دعاه فقره الى ملازمة رسوا الله صلى الله عليه وسلم على طمأنينة وخفة مسؤلية ,فكان فقره في ماله حسنه عليه وعلى الناس , اذ كان يلزم مجلس رسول الله صلى الله عايه وسلم لشبع بطنه ,وكان في طى ذلك حفظه السنة للمسلمين عن رسول الله صلى الله عليه سلم. ولو كان صاحب تجارة أو نخيل, كالذين عناهم في حديثه الاتى ص 70 من المهاجرين والانصار , لشغله ما شغلهم عن مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد حلفت كتب الادب التراجم التاريخ والاخلاق باقوال العلماء في فقرهم وغربتهم وصبرهم على شدائدهم الخانقة , واستهانتهم بها وعدم اكتراثهم لها ,تمسكا منهم بمثوبة الصبر , المستحب فيه الاجر , والذى كانوا فيه من الفائزين. فهذا قائل منهم يقول مسائلا الفقر عن مسكنه ومنزله ليعرف فيجتنبه, فيخبره الفقر أنه جليسه وأنيسه , وخديته , لا يبارحه ولا يفارقه!
قلت للفقر: أين أنت مقيم ... ؟ ... قال لى: في عمائم الفقهاء!
ان بينى وبينهم لاخاء ... وعزيز على ترك الاخاء!
أخر يجعل الفقه هو الفقر بعينه , انما استدارت راء الفقر فصارت هاء فيقول مشيرا الى التلازم بين الفقه والفقر:@