في الدعوة إلى الله عز وجل ليقيم درسًا، توجه ليعلم الناس العلم الشرعي الصحيح المبنيَ على الكتاب والسنة بعيدًا عن البدع والأهواء، توجه ليدعو إلى التوحيد واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، إذا توجه إلى مسجده، أو إلى مدرسته، أو إلي أي مكان للدعوة إلى الله عز وجل؛ فإنه يؤجر على ذلك، ويكتب له ممشاه، تكتب له خطواته، ونفقاته التي أنفقها.
ويبين ذلك - وهو أمرٌ إذا استشعره العبد؛ هان عليه الكثير من الأتعاب، وهانّ عليه كثير من النفقات التي ينفقها - قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة: [مَنْ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] رواه البخاري. هذا الفرس إذا ارتوى، وإذا شبع، وإذا أخرج روثًا، وإذا بال، بل حتى الخطوات التي يخطوها الفرس وهو يجول؛ تكتب لصاحبه وهو في بلده؛ لأنه قصد في هذا الفرس ليس المباهاة، وليس العبث، وإنما قصد به الجهاد في سبيل الله عز وجل، ولهذا قال داود الطائي رحمه الله:' رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن القصد، وكفاك به خيرًا وإن لم تصنعه'.
ثالثًا: من ثمرات الإخلاص العاجلة: أنه الطريق إلى محبة الله عز وجل ونصره ورعايته: فالله عز وجل يقول عن أهل بيعة الرضوان: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [18] } [سورة الفتح] . قال: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ}فرتب على علمه بما في القلوب: وهو الإخلاص والصدق، وصدق العزيمة والإرادة، وصحة القصد، علم ذلك؛ فرتب على هذا العلم قال: {فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} ومعلوم أن الحكم المرتب على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، فكلما زاد إخلاص العبد؛ كلما ازدادت هذه الأمور التي تتنزل عليه من نصر الله عز وجل، وطمأنينة القلب وسكينة النفس، وكل ذلك يكون بحسب قصده وإخلاصه: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ والتعقيب بالفاء بعد قوله: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} حيث قال: {فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} يدل على أن سبب نزول السكينة عليهم، وسبب إثابتهم لهذا الفتح القريب هو علمه ما في قلوبهم من إخلاص، دل ذلك على أن الإخلاص سبب للانتصار، وأن الإخلاص سبب لنزول السكينة في قلوب المؤمنين في القتال، وعند مواجهة الأعداء، وعندما يرجف بهم الناس من كل جانب، ويخوفون بالذين من دون الله عز وجل فيثبتون.
كل ذلك بسبب الإخلاص، ولهذا ينبغي للمجاهدين أن يخبتوا لله عز وجل، وأن يراقبوا مقاصدهم ولا يصدر منهم قولٌ ولا فعل يخالف ذلك؛ لأنهم قد يهزمون بسبب هذه المقاصد والإرادات السيئة، فإياك أن يشتد بأسك على العدو، أو يشتد وعيدك وتهديدك من أجل معنى فاسد في نفسك، إياك أن تهرول في وجه العدو وتعرض نفسك للموت وأنت تريد معنىً فاسد.